في كتابه المثير للجدل Technofeudalism: What Killed Capitalism، يغوص المفكر الاقتصادي والسياسي يانيس فاروفاكيس، في تحليل عميق للتغيرات الجذرية التي يشهدها العالم في ظل هيمنة التكنولوجيا، ليقدم نظرة ثاقبة على ماهية المجتمع الناشيء عن هذه التحولات وتداعياته على مستقبل البشرية.
يجادل “فاروفاكيس”، انطلاقًا من منظور ماركسي، بأن الرأسمالية لم تعد قادرة على الاستمرار في عصرنا الرقمي، ويرى أن التطورات التكنولوجية المتسارعة قد أدت إلى “تجاوز” الرأسمالية، ممهدة الطريق لنظام جديد يُطلق عليه اسم “الإقطاع الرقمي”.
ويشير “فاروفاكيس” إلى أنّ “الإقطاع الرقمي” يُشكل “واقعًا اجتماعيًا أقبح بكثير” من الرأسمالية؛ حيثُ تُسيطر قلة من الشركات العملاقة على الثروة والبيانات، في حين يتحول غالبية أفراد المجتمع إلى مجرد “عبيد رقميين”.
كتاب Technofeudalism: What Killed Capitalism
يدرك “فاروفاكيس” أن نظريته تثير جدلًا واسعًا، ولذلك يُخصص جزءًا كبيرًا من كتابه لشرحها بشكل مُفصّل، مُواجهًا منتقديه ومُقدّمًا لهم فرصة لفهم وجهة نظره كاملة.
وبأسلوب يجمع بين التواضع والشجاعة، يقر “فاروفاكيس” بأن تحليله قد لا يكون مطلقًا، مؤكدًا على أهمية الحوار والتواصل مع القراء.
يجادل الاقتصادي يانيس فاروفاكيس، الذي شغل منصب وزير المالية اليوناني، في كتابه Technofeudalism: What Killed Capitalism بأن هذا التحول مدفوع بثلاثة عوامل رئيسة:
-
خصخصة الإنترنت
سيطرت الشركات الكبرى على البنية التحتية للإنترنت، ما سمح لها بفرض قواعدها الخاصة، وخنق المنافسة، وإتاحة الفرصة لاحتكار السوق.
على سبيل المثال، تمتلك شركة أمازون منصة سحابية مهيمنة تسمى “أمازون ويب سيرفيسز” (AWS) تستخدم من قبل ملايين الشركات حول العالم.
تمنح هذه السيطرة لشركة أمازون، ميزة هائلة على منافسيها، ما يجعل من الصعب عليهم الدخول إلى السوق أو البقاء فيه.
-
التيسير الكمي
بعد الأزمة المالية لعام 2008، ضخت البنوك المركزية كميات هائلة من الأموال في الاقتصاد، ما أدى إلى ارتفاع قيمة الأصول مثل: الأسهم والعقارات.
استفاد “رأسماليو السحابة” من هذا الارتفاع لشراء حصص مسيطرة في قطاعات رئيسة، ما عزز هيمنتهم، على سبيل المثال، استخدمت شركة فيسبوك أموالها لشراء شركات ناشئة أصغر مثل: إنستجرام وواتساب، ما جعلها لاعبًا مهيمنًا في مجال التواصل الاجتماعي.
-
صعود الصين
في الآونة الأخيرة، أصبحت الصين قوة اقتصادية عظمى، ما أدى إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية وخلق بيئة تنافسية جديدة، اضطر “رأسماليي السحابة” للتكيف مع هذه التغييرات، فركزوا على بناء “اقطاعيات” رقمية محصنة ضد المنافسة الخارجية.
على سبيل المثال، وسعت شركة أمازون، نطاق أعمالها إلى الصين؛ حيث أنشأت منصة تجارية إلكترونية خاصة بها تعرف باسم “JD.com”.
مساواة المنصات الرقمية بالبارونات الإقطاعيين
في كتابه Technofeudalism: What Killed Capitalism يقارن “فاروفاكيس” بين سهولة استيلاء المنصات الرقمية على بيانات المستخدمين وإنشاء المحتوى، وبين استيلاء البارونات في العصور الوسطى على منتجات الفلاحين دون عناء.
وتعتبر هذه المقارنة إشكالية؛ حيث إن الرأسمالية المعاصرة قد تتمتع بسمات إقطاعية، لكنها قد لا تكون ناتجة عن الخوارزميات، بل عن سلالة من الرأسمالية شديدة الضراوة تُعرف باسم “النيوليبرالية”.
فرق الريع عن الربح
يجادل “فاروفاكيس” بأن ثروة المنصات الرقمية تأتي من “الريع” وليس من “الربح”.
ويشرح أن الريع يتدفق من الوصول المميز إلى موارد محدودة، مثل: “التربة الخصبة” أو “الأراضي التي تحتوي على الوقود الأحفوري”. بينما يتدفق الربح من إنتاج سلع جديدة ومبتكرة.
ويشير إلى أن المنصات الرقمية تتمتع بامتياز الوصول إلى اهتمام المستهلكين، ما يسمح لها بفرض “الريع” على الشركات المصنعة التي تبيع منتجاتها على منصاتها.
هل المنصات الرقمية استغلالية؟
يقارن “فاروفاكيس” بين سلوك المنصات الرقمية والبارونات في العصور الوسطى الذين لم يستثمروا في سلع رأس المال، بل استولوا على ثمار عمل عبيدهم.
ويشير إلى أن المنصات الرقمية، مثل: أمازون وجوجل، تنفق مبالغًا ضخمة على البحث والتطوير، وتطلق منتجات جديدة باستمرار. وبينما قد يكون “الريع” الذي تفرضه هذه المنصات معزولًا عن ضغوط السوق، إلا أن أجزاء أخرى من أعمالها، مثل: الإعلانات، تظل معرضة للمنافسة.
عبيد السحابة
يشبه “فاروفاكيس” في كتابه Technofeudalism: What Killed Capitalism المستخدمين الذين يعتمدون على المنصات الرقمية الكبرى بـ “عبيد السحابة”، ويقارنهم بعبيد العصور الوسطى الذين كانوا مُجبرين على تقديم الولاء لسادتهم.
ويوضح أن هذه المنصات تفرض قيودًا على المستخدمين من خلال شروط الخدمة المقيدة، وتحكم الوصول إلى البيانات الشخصية، والسيطرة على تدفق المعلومات.
سيطرة الملكية الفكرية
يجادل “فاروفاكيس” بأن الرأسمالية الرقمية تعزز سعيها للريع من خلال سيطرة متزايدة على الملكية الفكرية.
ويبين أن قوانين الملكية الفكرية، التي تعد هدية من النيوليبرالية، تمنح المنصات الرقمية حقوقًا حصرية على المحتوى الذي ينشره المستخدمون، ما يسمح لها بفرض رسوم على استخدامه، ويحذر من أن هذه السيطرة تهدد الملكية العامة للمعرفة والابتكار، وتعيق التقدم والتطور.
تحالف غير متوقع
يدعو “فاروفاكيس” في كتابه Technofeudalism: What Killed Capitalism إلى تحالف بين “عبيد السحابة” و”رأسماليين تابعين”، وهم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على المنصات الرقمية للوصول إلى العملاء.
ويلفت إلى أن كلا الطرفين يدفع “الريع” إلى “السحابيين الطفيليين”، ويعاني من استغلالهم، ويعتقد أن هذا التحالف، على الرغم من عدم اتساق المصالح تمامًا، قد يشكل قوة مضادة فعالة ضد هيمنة الرأسمالية الرقمية.
مخاطر فهم خاطيء للرأسمالية
يحذر “فاروفاكيس” من أن فهمًا خاطئًا للرأسمالية في عصر الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى وصفات خاطئة للعمل السياسي.
ويوضح أن بعض اليساريين يميلون إلى التركيز على استغلال “عبيد السحابة” من قبل “السحابي الطفيليين”، في حين يتجاهلون استغلال “رأسماليين تابعين” من قبل نفس الجهات، ويؤكد أهمية فهم الديناميات المعقدة للرأسمالية الرقمية لتطوير سياسات فعالة لمكافحة استغلالها.
ختامًا، يعد كتاب “الإقطاع الرقمي” قراءة ضرورية لكل من يهتم بمستقبل البشرية في ظل هيمنة التكنولوجيا، يقدم “فاروفاكيس” تحليلًا فكريًا معمقًا يثير أسئلة جوهرية حول مسارنا، ويحفز على التفكير النقدي وبناء تصورات جديدة لمستقبل أكثر عدلًا واستدامة.


