أصبحت المراهنات الرياضية منتشرة على نطاق واسع في الولايات المتحدة منذ أن ألغت المحكمة العليا حظرًا اتحاديًا على هذه الممارسة في 2018.
ويقول أكثر من ربع الأمريكيين؛ أي 27%، وما يزيد على نصف الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا؛ أي 52%، إن لديهم حسابًا نشطًا للمراهنات الرياضية عبر الإنترنت، وفقًا لاستطلاع أجرته مؤسسة «سيينا» في فبراير.
لكن كثيرًا من الشباب الذين يراهنون على الرياضة يخوضون ما يعتبره خبراء المال رهانًا أكثر خطورة، يتمثل في الاعتماد على توقعاتهم الرياضية لتمويل مستقبلهم المالي.
وأظهر استطلاع أجرته شركة «بيترمنت» شمل ألف مستثمر أن أكثر من نصف مستثمري الجيل زد؛ أي 52%، وهم الأشخاص المولودون بين عامي 1997 و2007، حوّلوا أموالًا كانت مخصصة للاستثمار إلى المراهنات الرياضية.
وقال أندرو ليندنال؛ رئيس قسم الرفاهية المالية لدى شركة «ويالث سباير» لإدارة الثروات، إن المشكلة لا تكمن في استمتاع الشباب بالرياضة أو قيامهم برهان من حين لآخر، وإنما عندما تبدأ المقامرة في منافسة الأموال المخصصة لبناء الثروة على المدى الطويل، وعندما يبدأ الترفيه في الظهور كأنه إستراتيجية استثمارية.
ويتمتع الجيل الأصغر من البالغين عمومًا بعادات استثمارية جيدة. إذ يبدأ الاستثمار في سن مبكرة وينوع أصوله بمعدلات أعلى من الأجيال الأكبر سنًا.
ورغم وجود مراهنين رياضيين يتعاملون مع الأمر بمسؤولية، فإن على المستثمرين الشباب إدراك مخاطر وتكاليف خلط المراهنات بخططهم المالية طويلة الأجل.
استبدال الاستثمار طويل الأجل بمكاسب سريعة
يعتقد نحو ربع مستثمري الجيل زد بأن المراهنات الرياضية يجب أن تكون جزءًا من إستراتيجيتهم المالية طويلة الأجل، وفقًا لـ«بيترمنت».
وقد يرجع ذلك إلى اعتقاد بعض الشباب الذين يراهنون على الرياضة بأن لديهم المعرفة الكافية لتحقيق مكاسب متواصلة، بحسب ستيفن وانغ؛ مؤسس تطبيق الاستثمار «دَب» البالغ من العمر 24 عامًا.
وقال وانغ إنه عندما يتحدث مع أصدقائه، يقولون له إنهم يعرفون فريق كرة القدم جيدًا؛ لذلك من المرجح أن يحققوا أموالًا من الرهان، مضيفًا أنهم يدخلون الرهان وهم يعتقدون فعلًا أنهم سيفوزون، رغم أن الإحصاءات تظهر أن ذلك لا يحدث عادة.
ولفهم السبب، من المفيد معرفة الطريقة التي تحدد بها شركات المراهنات الاحتمالات. إذ تتمتع هذه الشركات بأفضلية على المراهنين في أي رهان؛ لأنها تضمن رسومًا ضمن تسعير الاحتمالات.
وفي رهان يبدو أن نتيجته متساوية بنسبة 50% لكل طرف، يتعين عليك عادةً المخاطرة بـ110 دولارات للفوز بـ100 دولار. ومع تكرار ذلك عبر ملايين الرهانات، يصبح من السهل إدراك أن الاحتمالات تميل لمصلحة شركات المراهنات.
وإذا حصلت على 100 دولار في كل مرة تفوز فيها، ودفعت 110 دولارات في كل مرة تخسر فيها، فسوف تنفد أموالك حتى إذا حققت الفوز في 50% من المرات.
وخلال القرن الماضي، حققت سوق الأسهم عائدًا سنويًا مرجحًا بلغ نحو 10% في المتوسط، وفقًا لأبحاث أجراها هندريك بيسمبندر، الأستاذ في كلية كاري للأعمال بجامعة ولاية أريزونا.
وبافتراض استمرار السوق في تحقيق هذا العائد، يمكن لاستثمار بقيمة 10 آلاف دولار أن ينمو إلى أكثر من 452 ألف دولار خلال 40 عامًا.
وقد تمنح المراهنات الرياضية عائدًا فوريًا يبلغ 100% أو أكثر في حالة الفوز، لكنها تحقق عائدًا متوقعًا أقل بكثير على المدى الطويل، بل إنها تؤدي في معظم الحالات إلى خسارة صافية.
المراهنات قد تتجاوز خسارة أموال الاستثمار
حتى إذا لم يحوّل الشخص أموال استثماراته إلى المراهنات، فإن المقامرة يمكن أن تؤدي إلى مشكلات مالية.
وتزامن تقنين المراهنات الرياضية مع ارتفاع معدلات التعثر في سداد الديون والإفلاس، وفقًا لتقرير صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وأظهر استطلاع أجرته «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» في 2025 أن ربع المراهنين على الرياضة قالوا إنهم تخلفوا عن سداد إحدى الفواتير بسبب رهاناتهم، بينما قال 30% إنهم تحملوا ديونًا نتيجة المراهنة.
واستخدام أموال كان من المفترض استثمارها للمستقبل قد يؤدي إلى تفاقم هذه المشكلات.
مشكلة في اتخاذ القرار لا نقص المعلومات
يمتلك الجيل زد وصولًا شبه غير محدود إلى المعلومات التي يمكن أن تساعده على بناء مستقبل مالي أفضل. وتزخر وسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، بالنصائح المتعلقة بالتمويل الشخصي.
لكن النصائح الجيدة المقدمة من مستشارين ماليين معتمدين وخبراء مدربين تختلط كثيرًا بمحتوى يقدمه أشخاص يفتقرون إلى المعرفة أو يتعمدون التضليل.
وقال ليندنال إن الشباب لا يعانون مشكلة في الوصول إلى المعلومات، وإنما يواجهون مشكلة في جودة المعلومات والثقة بها واتخاذ القرارات بناءً عليها.
وأضاف أن ذلك قد يدفع المستهلكين الشباب إلى تفضيل التحركات المالية السريعة والمثيرة على الخيارات المملة، لكنها سليمة من الناحية الأساسية.
وعند تصفح «تيك توك»، قد يظهر مقطع لخبير في التثقيف المالي يوضح مزايا بدء الاستثمار مبكرًا في محفظة متنوعة وترك الأموال تنمو لعقود بفضل الفائدة المركبة والمسار الصاعد التاريخي لسوق الأسهم الأمريكي.
لكن المقطع التالي ربما يكون لمنشئ محتوى، أو حتى إعلان، يروج لفكرة إمكانية تحويل 100 دولار إلى ألف دولار خلال مباراة كرة قدم واحدة عبر منصة للمراهنات الرياضية.
وإلى جانب ظهور المراهنات الرياضية كطريق أسرع إلى الثروة، فإنها قد تمنح الأفراد ما يصفه مايكل بلات؛ خبير علم الأعصاب وعلم النفس الذي يدرس في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، بـ«وهم السيطرة».
ويعتقد المراهنون بأن معرفتهم بالرياضة تمنحهم فرصة أفضل لتحقيق المال من المباريات مقارنة بما يحصلون عليه إذا بحثوا في الأسواق المالية أو درسوا قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وقد يفكر المراهن، وفقًا لبلات، بأنه يمتلك معرفة بالرياضة أفضل من معرفته بسهم أو صندوق مؤشر لا يعرف عنه الكثير.
الترفيه ليس استثمارًا
قد تكون المراهنات الرياضية ممتعة، كما أن بعض المقامرين، وإن كانت نسبتهم صغيرة جدًا، يحققون أرباحًا منها.
لكن من المهم أن يدرك المراهنون الفرق بين المراهنة بغرض الترفيه والنظر إلى الرهانات باعتبارها استثمارات، وفقًا لليندنال.
وينصح ليندنال بالتعامل مع أي أموال يتم وضعها في الرهانات باعتبارها أموالًا يمكن تحمل خسارتها.
وإذا لم يكن لدى الشخص صندوق للطوارئ أو حساب تقاعد نشط، فمن الأفضل على الأرجح تأجيل المراهنات إلى حين بناء هذا الأساس المالي.
كما يكون من الحكمة إعطاء الأولوية لسداد ديون بطاقات الائتمان ذات أسعار الفائدة المرتفعة. لأن أي رصيد متبقٍ ينمو بمعدل مركب.
وقال ليندنال إن الاختبار الحقيقي يتمثل في طرح أسئلة مثل: هل أستطيع تحمل تكلفة هذا الرهان؟ وما الذي أتخلى عنه من أجل ذلك؟ وهل أستخدم أموالًا كان ينبغي أن تذهب إلى سداد الديون أو مدخرات الطوارئ أو المدخرات طويلة الأجل؟
وأضاف أن هذه هي النقطة الفاصلة والأكثر أهمية بين المراهنة للترفيه واستخدام الأموال التي يفترض أن تبني المستقبل المالي.
المصدر: CNBC


