أكد السفير أحمد فاروق؛ سفير مصر السابق لدى المملكة العربية السعودية، أن العلاقات «المصرية – السعودية» تتجاوز الأطر التقليدية للتعاون الثنائي؛ موضحًا أن التكامل الوثيق بين قدرات البلدين ومواقفهما يجعل من أمنهما المشترك ركيزة حاسمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي، ومشددًا على أن المحطات التاريخية والأزمات المتلاحقة أثبتت صلابة هذه الشراكة المرتكزة على روابط إنسانية ومصالح متكاملة.
وأضاف فاروق، خلال مشاركته في مؤتمر «الحوار الأمني والتاريخ لعام 2026»، أن مفهوم الأمن المتبادل بين القاهرة والرياض لا يتأسس على الخطابات والشعارات. بل يتبدى جليًا عبر التعاطي العملي ميدانيًا في مواجهة التحديات. مشيرًا إلى أن القوة الحقيقية لهذه العلاقة تكمن في امتلاك كل دولة مقومات وخبرات نوعية تتمم الطرف الآخر، بعيدًا عن منطق الاحتیاج الأحادي.
وأشار السفير السابق إلى أن التاريخ يؤكد بوضوح أن تلاحم الموقفين المصري والسعودي ينقل التحالف من النطاق الثنائي إلى قوة تأثير إستراتيجية تدعم السلم والأمن الدوليين. مؤكدًا أن هذه الروابط الاستثنائية عصية على الاختزال في المصالح المؤقتة، كونها صيغت عبر تاريخ ممتد وحدود اجتماعية وثقافية وثيقة جسدت مفهوم وحدة المصير.
التكامل المصري السعودي وتعزيز الاستقرار
أوضح السفير السابق أن البحر الأحمر لم يكن يومًا عائقًا جغرافيا بين مصر والسعودية. بل مثّل عبر التاريخ جسرًا حيويًا للتواصل الإنساني والثقافي والاقتصادي. لافتًا إلى أن المعطيات الديموغرافية، التي تشير إلى وجود أكثر من مليوني مصري في المملكة يقابلهم نحو مليون سعودي في مصر. تجسد العمق المجتمعي والتلاحم غير المسبوق بين الشعبين.
واستعرض فاروق جملة من المحطات المفصلية التي شكلت الوعي التاريخي المشترك. بدءًا من إبرام أول معاهدة صداقة رسمية بين البلدين عام 1926. وصولًا إلى الزيارة التاريخية للملك المؤسس عبد العزيز آل سعود إلى مصر عام 1945. والتي أرست اللبنات الأولى لشراكة استراتيجية راسخة.
وفي هذا السياق، سلط السفير السابق الضوء على وصية الملك عبد العزيز لأبنائه الخالدة بشأن مصر: «أوصيكم خيرًا بمصر، فإن قامت قمتم». مشددًا على أن هذه المقولة تظل المرجع الأخلاقي والإستراتيجي الذي يحكم علاقات البلدين. ويمهد للتوسع المستمر في آفاق التعاون في مختلف المجالات.
أكثر من 150 اتفاقية ومعاهدة
وأوضح السفير فاروق، مستندًا إلى خبرته السابقة في قيادة القطاع القانوني الدولي بوزارة الخارجية المصرية، أن المنظومة التعاهدية بين مصر والسعودية تضم أكثر من 150 معاهدة واتفاقية ومذكرة تفاهم. وهو ما يعكس اتساع نطاق التعاون المؤسسي وتشعبه ليشمل قطاعات اقتصادية، وثقافية، واجتماعية، وسياحية، وتعليمية متنوعة.
وشدد السفير السابق على أن القيمة الفعلية للتحالف المصري – السعودي لا تختزلها أرقام الاتفاقيات والوثائق الموقعة. وإنما تجسدها المحطات الفاصلة والأزمات التاريخية. مستشهدًا بالموقف الحاسم للمملكة إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. فضلًا عن القرار التاريخي للملك فيصل بن عبد العزيز بقطع التصدير النفطي دعمًا للقوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر 1973.
وفي هذا الصدد، أشار إلى أن قرار حظر النفط أحدث هزّة جيوسياسية عالمية وأثر بشكلٍ مباشر في مجريات الأحداث. ما يؤكد أن العلاقات بين القاهرة والرياض صيغت عبر مواقف عملية صلبة تتجاوز حدود الحسابات والمصالح الاقتصادية المباشرة.
وتطرق السفير فاروق إلى تجربته الدبلوماسية الميدانية في المملكة الممتدة بين عامي 2019 و2025. مؤكدًا أن سنوات خدمته هناك مكنته من معايشة التحولات الحيوية والتطورات المتسارعة التي شهدتها السعودية عن قرب. والوقوف المباشر على معالم النهضة الشاملة التي طالت مختلف مناحي الحياة.
الأمن والاستقرار أساس التنمية
وقال فاروق إن الرؤية التي أرساها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، أثبتت أن الأمن الداخلي والإقليمي يمثل الأساس. بينما يشكل الازدهار وبناء المستقبل الهدف، ليس للمملكة وحدها، وإنما للشرق الأوسط ككل. كما ربط بين الاستقرار وقدرة الدول على تنفيذ خطط التنمية وتحقيق أهدافها طويلة المدى.
وأضاف أن الأمن والاستقرار يمثلان ركيزتين أساسيتين في وجدان الدولة والمجتمع السعودي، باعتبارهما أساس التنمية والازدهار واطمئنان المواطن والمقيم. كما أشار إلى أن معيار القانون الذي يحقق العدل يمثل حجر الزاوية الذي يرتكز عليه الجميع. بما يدعم استقرار المجتمع ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة.
وأوضح فاروق أنه عندما أنهى مهمته سفيرًا لمصر لدى السعودية، عاد ومعه ملفات وتقارير وذكريات مهنية. لكنه اعتبر أن القيمة الأكبر التي خرج بها من سنوات عمله تمثلت في العلاقات الإنسانية والصداقات والمواقف التي لا تُنسى.
ذكرى الطفولة التي ارتبطت بالعمل في السعودية
واستعاد السفير واقعة شخصية تعود إلى طفولته في ستينات القرن الماضي، عندما كان يشاهد عبر تلفزيون أبيض وأسود زيارة أحد الملوك أو المسؤولين السعوديين إلى القاهرة. ولاحظ حينها الزي السعودي، فسأل جدته عن هؤلاء الأشخاص، فأجابته بأنهم «أبناء الأكرمين الذين يسكنون أرض الخير والأمان».
وقال إن هذه الواقعة ظلت حاضرة في ذاكرته، حتى صدر في 10 مايو 2019 قرار بترشيحه سفيرًا لمصر لدى السعودية. وأضاف أنه تذكر حينها دعوة جدته، التي رأى أنها تحققت أمام عينيه بعد عقود من تلك الواقعة.
وأشار إلى أن هذه القصة تعكس جانبًا من الصورة الراسخة للمملكة في وجدان ملايين المصريين باعتبارها «بلد الخير والأمان» وأرض الحرمين. كما تحمل بالنسبة إليه دلالة شخصية مرتبطة بدعوة جدته التي ظل أثرها حاضرًا حتى تحقق له العمل في المملكة.
الشعبان المصري والسعودي
واختتم السفير فاروق كلمته بالتأكيد على أن العنصر البشري في كلٍّ من مصر والسعودية يُعد الركيزة الأساسية في صياغة تميز العلاقات الأخوية، والحفاظ على أمنها واستقرارها عبر الأجيال المتعاقبة. مشددًا على أن متانة هذا التحالف لا تتوقف عند حدود الاتفاقيات والمؤسسات الرسمية فحسب. بل تستمد زخمها الحقيقي من التواصل المستمر بين الشعبين.
ودعا السفير السابق إلى أهمية ترسيخ هذه الروابط التاريخية ونقلها بأمانة إلى الأجيال القادمة، لضمان صون الشراكة الراسخة بين المصريين والسعوديين. مؤكدًا ضرورة تكثيف قنوات التفاعل الإنساني والثقافي والمعرفي وتعزيز المقومات التاريخية والمجتمعية الجامعة.
وفي هذا السياق، تعكس رؤية فاروق أن العلاقات «المصرية – السعودية» تستند إلى رصيد إستراتيجي متراكم من المواقف والتكامل العملي. وهو ما يجعل ديمومتها مرهونة بالحفاظ على زخم الروابط الشعبية والدبلوماسية التي تبلورت وتبلورت مفاهيمها عبر عقود طويلة.
وفي النهاية، وجّه فاروق تحية إجلال واعتزاز من مصر إلى المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا. جازمًا بمركزية هذه العلاقة المحورية في صون الأمن القومي للبلدين ورسم ملامح الاستقرار والتنمية في المنطقة برمتها.


