يحب المسوّقون الأرقام. نحلل البيانات باستمرار لنعرف ما الذي ينجح وما الذي يفشل، ونبحث عن النسب والمؤشرات التي تساعدنا على تحسين الحملات، ورفع معدلات التفاعل، وزيادة المبيعات.
لكن هناك مشكلة لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام: الرقم وحده لا يخبرنا بالحقيقة كاملة.
فمعظم العاملين في التسويق ليسوا خبراء في تحليل البيانات أو علم الإحصاء، ومع ذلك يتعاملون يوميًا مع عشرات الدراسات والاستبيانات والتقارير التي تقدم أرقامًا تبدو حاسمة، ثم يبنون عليها قراراتهم.
وهنا تبدأ المشكلة.
استخدام الأرقام للإجابة عن سؤال حقيقي يتطلب أكثر من معرفة النتيجة النهائية. علينا أن نعرف أي بيانات نستخدم، وكيف جُمعت، وما حجم العينة، وما المنهجية المتبعة، وما الذي تعنيه النتيجة فعلًا، والأهم من ذلك: ما الذي لا تخبرنا به هذه النتيجة؟
الرقم لا يروي القصة كاملة
من أكثر الأمور التي تثير استغرابي في عالم التسويق انتشار عبارات من قبيل: «العناوين التي تحتوي على أرقام فردية تحقق نقرات أكثر بنسبة 20% من العناوين ذات الأرقام الزوجية».
قد تبدو هذه الجملة مفيدة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة لا تقدم لنا الكثير.
إذا كانت العناوين التي تتضمن أرقامًا فردية تحقق أداءً أفضل فعلًا، فالسؤال المهم ليس: «هل الرقم فردي أم زوجي؟»، بل: لماذا؟
هل تبدو الأرقام الفردية أكثر واقعية؟ هل تمنح القارئ انطباعًا بأن القائمة أكثر دقة وتفصيلًا؟ هل يرتبط استخدامها بنوع معين من المحتوى أو بجمهور محدد؟ أم أن هناك متغيرًا آخر تمامًا يقف وراء النتيجة؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة.
فالقول إن «العناوين ذات الأرقام الفردية تحقق نقرات أكثر» يشبه القول إن معظم أوراق الشجر خضراء. قد تكون المعلومة صحيحة، لكنها لا تخبرنا لماذا.
ومع ذلك، أصبح هذا النوع من الإحصاءات أساسًا لعدد لا يحصى من النصائح التسويقية التي تنتشر عبر المدونات، والنشرات البريدية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم تتحول بمرور الوقت إلى ما يشبه القواعد الثابتة.
المشكلة أن التسويق لا يعمل بهذه البساطة.
كيف تصنع الأرقام وهم الدقة؟
ربما يكون تفسير تفضيل الأرقام الفردية أبسط مما يبدو. فليس من المنطقي افتراض أن الجمهور يمتلك انحيازًا غامضًا ضد الأرقام الزوجية.
الأرجح أن بعض الأرقام تبدو أكثر تحديدًا وأقل اصطناعًا من غيرها.
فمثلًا، عنوان مثل «100 نصيحة لزيادة المبيعات» يبدو مرتبًا أكثر من اللازم، وربما يوحي بأنه صيغ أولًا ثم جرى البحث عن محتواه. أما «87 نصيحة لزيادة المبيعات»، فقد يعطي انطباعًا بأن الكاتب بحث في الموضوع بالتفصيل، ولم يجد نصيحة إضافية تستحق أن تصبح النصيحة رقم 88.
لكن حتى هذا التفسير لا يبرر تحويل الملاحظة إلى قاعدة تسويقية عامة.
فهل يبدو عنوان يتضمن «88 نصيحة» أقل شمولًا أو دقة من عنوان يقدم «87 نصيحة»؟ لا أعتقد ذلك. كما يصعب تصور دراسة يمكنها إثبات هذه القاعدة بصورة قاطعة في مختلف الأسواق والجماهير وأنواع المحتوى.
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة: نحن نخلط بين وجود علاقة في البيانات وبين معرفة سببها.
قد نجد أن متغيرين يتحركان معًا، لكن ذلك لا يعني أن أحدهما تسبب في الآخر.
من أين جاءت الإحصائية أصلًا؟
إذا أردنا أن نأخذ أي إحصائية تسويقية على محمل الجد، فعلينا أن نبدأ بالسؤال الأبسط: من أين جاءت؟
خذ مثلًا الإحصائية الخاصة بالعناوين ذات الأرقام الفردية.
تداولتها مواقع ومدونات تسويقية عدة، ثم ظهرت في رسوم معلوماتية ومقالات أخرى، قبل أن يعاد نشرها مرات عديدة حتى بدت وكأنها حقيقة مستقرة لا تحتاج إلى مراجعة.
لكن تتبع مصدرها يكشف قصة مختلفة. فبعض الإشارات قادت إلى دراسة أقدم أجرتها شركة متخصصة في التوصيات والمحتوى، اعتمدت على تحليل نحو 150 ألف عنوان. يبدو الرقم مثيرًا للإعجاب، لكنه لا يكفي وحده.
ما طبيعة هذه العناوين؟ كيف اختيرت؟ ما الفترة الزمنية التي غطتها؟ كيف قورنت النتائج؟ ما العوامل الأخرى التي أخذها الباحثون في الاعتبار؟
وهل نشرت الدراسة الأصلية بالتفصيل بحيث يمكن للآخرين مراجعة منهجيتها ونتائجها؟
من دون إجابات عن هذه الأسئلة، يصبح حجم العينة مجرد رقم آخر نستخدمه لإضفاء مظهر من المصداقية.
والأمر يصبح أكثر إشكالية عندما نكتشف أن الإحصائية نفسها قديمة، ثم يعاد تدويرها بعد سنوات وكأنها تصف سلوك الجمهور اليوم.
هذا مهم خصوصًا في التسويق الرقمي، حيث تتغير المنصات والخوارزميات وسلوك المستخدمين بسرعة هائلة. ما كان صحيحًا قبل خمس سنوات قد لا يكون صحيحًا اليوم.
وما نجح في سوق أميركية أو أوروبية لا يعني بالضرورة أنه سينجح في السوق السعودية أو المصرية أو الإماراتية.
السياق ليس تفصيلًا ثانويًا؛ السياق هو جزء من الإحصائية نفسها.
الأرقام بلا تعريفات لا تعني شيئًا
هناك مشكلة أخرى أكثر شيوعًا مما ينبغي: استخدام مصطلحات تبدو دقيقة بينما هي في الحقيقة غامضة.
من السهل مثلًا أن نقرأ عبارة تقول إن «الصور عالية الجودة تحصل على مشاركات أكثر بنسبة 121%».
لكن ما المقصود تحديدًا بـ«عالية الجودة»؟
هل نتحدث عن دقة الصورة؟ أم تصميمها؟ أم جمالها؟ أم مدى ارتباطها بالمحتوى؟ أم تقييمًا بشريًا لجودتها؟
إذا لم نعرف كيف عُرّفت «الجودة»، فإن الرقم الدقيق جدًا في نهاية الجملة لا يمنحنا دقة حقيقية.
والشيء نفسه ينطبق على كلمات مثل «التفاعل» و«الانتشار» و«الوصول». هذه المصطلحات أصبحت جزءًا أساسيًا من لغة التسويق، لكنها قد تعني أشياء مختلفة تمامًا من دراسة إلى أخرى.
وهنا يقع المسوّق في فخ خطير: يتعامل مع رقم شديد الدقة مبني على مفهوم شديد الغموض.
لا تخلط بين النقر والنتيجة
من أكثر الأمثلة وضوحًا على ذلك التركيز على عدد المشاركات أو الزيارات باعتبارها دليلًا مباشرًا على نجاح المحتوى.
قد تحقق قطعة محتوى آلاف المشاركات، لكن كم شخصًا قرأها فعلًا؟ وكم منهم تذكر العلامة التجارية؟ وكم منهم اتخذ خطوة تجاه الشراء؟ وكم منهم أصبح عميلًا بالفعل؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من عدد المشاركات وحده.
التركيز على مؤشر واحد لأنه يبدو إيجابيًا، مع تجاهل مؤشرات أخرى أكثر ارتباطًا بالهدف الحقيقي للحملة، يشبه اختيار الدليل الذي يناسب النتيجة التي نريد الوصول إليها مسبقًا.
وهذا ليس تحليلًا للبيانات. إنه انتقاء للبيانات.
هوس «الوصفة السحرية»
المشكلة لا تتعلق بإحصائية واحدة أو شركة واحدة أو دراسة واحدة. إنها مشكلة أوسع في صناعة التسويق نفسها.
نحن نبحث باستمرار عن القاعدة السحرية التي تخبرنا بالضبط بما يجب فعله.
هل يجب أن يتكون عنوان المقال من 8 كلمات أم 14؟
هل يجب أن يكون المقال 250 كلمة أم 2500؟
هل الأفضل إرسال النشرة البريدية يوم الاثنين أم الثلاثاء؟
هل يجب نشر المحتوى صباحًا أم مساءً؟
مثل هذه الأسئلة ليست خاطئة في حد ذاتها. المشكلة تبدأ عندما نتعامل مع الإجابة عنها باعتبارها قانونًا عامًا.
لأن التسويق ليس معادلة ثابتة.
الجمهور يختلف، والسوق يختلف، والمنصة تختلف، والمنتج يختلف، والمرحلة التي يمر بها العميل تختلف، وحتى اللغة والثقافة يمكن أن تغير النتيجة.
ما ينجح مع جمهور في الولايات المتحدة قد يفشل تمامًا مع الجمهور العربي. وما ينجح في قطاع التكنولوجيا قد لا يصلح في الخدمات المالية، وما ينجح مع جيل معين قد لا يحقق النتيجة نفسها مع جيل آخر.
لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس: «ما الرقم الذي يثبت أن هذه الطريقة أفضل؟»
بل: «ما الذي تخبرني به هذه البيانات في هذا السياق تحديدًا؟»
لا تجعل الرقم يفكر بدلًا منك
الأرقام مهمة، وربما أصبحت أهم من أي وقت مضى في صناعة التسويق. لكن زيادة الاعتماد على البيانات لا تعني التوقف عن التفكير النقدي.
على العكس، كلما زادت كمية البيانات المتاحة أمامنا، أصبحت الحاجة أكبر إلى فهم مصدرها، وقراءة سياقها، واختبارها، ومقارنتها ببيانات أخرى.
الإحصائية ليست حقيقة لمجرد أنها مكتوبة في رسم معلوماتي أنيق، ولا تصبح الدراسة موثوقة لمجرد أن رقم العينة كبير.
قبل أن تستخدم أي رقم لتوجيه استراتيجية تسويقية، اسأل:
من أين جاء؟ متى جُمع؟ كيف جرى احتسابه؟ هل توجد علاقة سببية فعلًا أم مجرد ارتباط؟ وهل ينطبق على جمهوري وسوقي ومنصتي؟
إذا لم نطرح هذه الأسئلة، فمن السهل أن نتحول من مسوّقين يستخدمون البيانات إلى مسوّقين تقودهم البيانات.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: الأرقام التي يفترض أن تجعل قراراتنا أكثر ذكاءً قد تكون هي نفسها ما يقودنا إلى قرارات أسوأ، إذا تعاملنا معها باعتبارها إجابات جاهزة بدلًا من كونها أدوات لفهم الواقع.


