أثار التوسع المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل تساؤلات جوهرية حول مستقبل الكوادر الوظيفية ومدى الاعتماد على هذه الأدوات؛ حيث تصاعدت الدعوات لبناء معادلة متوازنة ترفع الإنتاجية دون تقويض القدرات الإبداعية؛ ما يجعل المهارات البشرية الرهان الحقيقي والعنصر الحاسم لصناعة الفارق في سوق العمل خلال المرحلة المقبلة.
ووفقًا لما أوردته شركة “cnbc make it” كشفت دراسة حديثة أجرتها شركتا “جو تو” و”ورك بليس إنتليجنس”، شملت 2500 قائد وموظف في قطاع تقنية المعلومات. عن أن نصف المشاركين يشعرون بإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. إذ رأى 39% منهم أن هذه الأدوات تحد من قدراتهم الذهنية.
كما أعرب 41% عن قلقهم من تأثيرها السلبي في فرصهم المهنية مستقبلًا. بينما أقر 30% بعدم قدرتهم على إنجاز مهامهم بدونها.
وفي هذا السياق، أكد خبير مستقبل العمل دان شاويل أن المؤسسات والأفراد يقفون أمام مرحلة مفصلية. موضحًا أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا أصيلًا من بيئة العمل الحديثة، إلا أن التفوق المستقبلي لن يكون من نصيب الاتكاليين، بل لمن يجيد توظيف التكنولوجيا كأداة مساندة تُثري الأداء ولا تلغي التفكير الإنساني.
مراجعة الاستخدام تعزز جودة الأداء
يرى دان شاويل أن الخطوة الأولى تتمثل في مراقبة استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة أسبوعية. إذ أظهرت نتائج الدراسة أن 60% من المشاركين يشعرون بوجود ضغوط تدفعهم إلى استخدام هذه التقنيات بهدف رفع الإنتاجية حتى في المهام التي لا تتطلب ذلك.
في حين أكد أن استمرار هذا السلوك من دون مراجعة قد يحول الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى ممارسة تؤثر في تنمية القدرات المهنية.
ولذلك ينصح بإعداد قائمة أسبوعية تتضمن جميع المهام التي أُسندت إلى الذكاء الاصطناعي. ثم تخصيص 10 دقائق في نهاية كل أسبوع لتقييم النتائج من خلال سؤالين أساسيين: هل أدى استخدام التقنية إلى تحسين جودة المخرجات؟ وهل كان بالإمكان إنجاز المهمة بصورة مستقلة؟ وتساعد هذه المراجعة على تحديد المجالات التي تضيف فيها التقنية قيمة حقيقية. مقابل المهام التي ينبغي الاحتفاظ بها لتنمية الخبرات الشخصية.
ومن هذا المنطلق يصبح الهدف هو الاستخدام الواعي للتكنولوجيا بدلًا من الاعتماد الكامل عليها. بما يضمن الاستفادة من مزاياها في توفير الوقت، مع المحافظة على المهارات البشرية التي تشكل أساس التميز المهني واتخاذ القرارات السليمة.
المهام المعقدة تصنع الخبرات الحقيقية
تشير الدراسة إلى أن 70% من الموظفين يعترفون باستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة غير مناسبة في المهام الحساسة أو عالية المخاطر. مثل: إدارة المحادثات الصعبة أو اتخاذ القرارات التي تتطلب ذكاءً عاطفيًا وحكمًا مهنيًا دقيقًا.
فيما يؤكد شاويل أن هذه الفئة من المهام هي التي تسهم في تطوير الخبرات العملية. لذلك ينبغي تنفيذها بصورة شخصية قبل اللجوء إلى أي أدوات مساعدة.
ولهذا السبب يوصي بمنح النفس ما لا يقل عن 15 دقيقة للعمل على المهمة بصورة مستقلة. سواء من خلال إعداد المسودة الأولى أو بناء الفكرة الأساسية. ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لاحقًا لمراجعة العمل أو تحسينه، بدلًا من تكليفه بإنتاج المحتوى بالكامل منذ البداية.
علاوة على ذلك تكشف نتائج الدراسة عن جانب آخر يثير القلق؛ إذ أقر 43% من الموظفين باستخدام مخرجات الذكاء الاصطناعي رغم شكوكهم في احتوائها على أخطاء أو معلومات غير دقيقة. وقال نحو ثلث المشاركين 31% إنهم شعروا بضغط غير معلن يدفعهم إلى الوثوق بهذه المخرجات وعدم الاعتراض عليها.
في حين أفاد 14% بأنهم أبلغوا مديريهم بهذه الأخطاء. لكن طُلب منهم عدم إثارة الموضوع. وتؤكد هذه النتائج أن القدرة على التقييم وإصدار الأحكام لا تزال من أهم المهارات البشرية التي يصعب الاستغناء عنها.
الاستثمار في القدرات الإنسانية
بينما يشدد دان شاويل على ضرورة استثمار الوقت الذي يوفره الذكاء الاصطناعي في تطوير المهارات التي لا يمكن للتقنيات محاكاتها بصورة كاملة. موضحًا أن الإبداع، والذكاء العاطفي، والقدرة على إصدار الأحكام، تمثل ركائز النجاح في بيئات العمل الحديثة. وهي العوامل التي تمنح الموظف قيمة مضافة مهما تطورت التقنيات.
كذلك تؤكد نتائج الدراسة أن الموظفين أنفسهم يعتبرون التفكير الإبداعي والذكاء العاطفي والقدرة على تحديد الوقت المناسب للثقة بالذكاء الاصطناعي. أو تجاهل توصياته من أهم المهارات المطلوبة مستقبلًا. ولذلك ينصح شاويل باختيار مجال واحد والعمل على تطويره كل ثلاثة أشهر. سواء كان مرتبطًا بإدارة العلاقات مع العملاء أو التحليل واتخاذ القرار أو قيادة فرق العمل.
ويخلص التقرير إلى أن مستقبل الوظائف لن يعتمد على مقدار استخدام الذكاء الاصطناعي، بل على قدرة الأفراد على الموازنة بين التكنولوجيا والخبرة الإنسانية.
ومع استمرار تطور الأدوات الرقمية تبقى المهارات البشرية العامل الأكثر تأثيرًا في تحقيق النجاح المهني.


