إذا كان فريقك يفتقر إلى الحماس، أو كان أفضل موظفيك يغادرون تباعًا، فربما لا يكمن الحل في إطلاق برنامج جديد، بل في إلقاء نظرة أقرب على عاداتك القيادية.
لا يبدأ معظم القادة عملهم وهم يخططون لبناء بيئة عمل سامة. هم يريدون تحقيق مستهدفات الربع المالي، والحفاظ على سير العمل، وإخماد الحريق الأقرب إليهم. وتتشكل ثقافة المؤسسة في الخلفية، إلى أن تتوقف عن كونها كذلك، وفجأة تجد أفضل موظفيك يغادرون، بينما تعجز عن فهم السبب.
الحقيقة غير المريحة هي أن ثقافة المؤسسة ليست سوى نتاج الطريقة التي تظهر بها كقائد. إنها الافتراضات التي تبنيها، والثقة التي تمنحها، والطريقة التي تتواصل بها عندما تسوء الأمور.
وإذا أتقنت ذلك فلن تظهر كثير من المشكلات التي كنت تظن أنك مضطر إلى إدارتها من الأساس.
إذا كنت رائد أعمال أو صاحب شركة وتراقب ارتفاع معدل دوران الموظفين أو ثبات مستويات التفاعل عند مستويات منخفضة، فلن تنجح أي ميزة إضافية في حل المشكلة. الحل الوحيد هو أن تنظر بجدية أكبر إلى نفسك.
فما الذي تتطلبه هذه النظرة الصادقة إلى المرآة؟ وماذا يحدث عندما يتجاهل القادة ذلك؟ البداية من هنا:
1. الثقافة تبدأ من القيادة
استقال ما يزيد على 53% من الموظفين من وظائف بسبب بيئة عمل سلبية، فيما أرجع نحو 79% ممن مروا بتجربة العمل في بيئة سامة السبب الرئيس إلى ضعف القيادة أو الإدارة، وفق تقرير «اتجاهات بيئات العمل السامة لعام 2025» الصادر عن «آي هاير».
وتؤثر الرواتب والمزايا بدرجة أقل مما يفترض معظم القادة. أما العامل الذي يدفع الموظفين فعليًا إلى المغادرة، فهو سلوك القيادة في الحياة اليومية للعمل.
وتظهر هذه الأنماط في الشركات بمختلف أحجامها. فمعظم القادة لا يستيقظون صباحًا وهم يعتزمون توليد ثقافة سلبية، لكنها تتشكل تدريجيًا من خلال سلوكيات صغيرة؛ كإطلاق الافتراضات بدلًا من طرح الأسئلة، والتحكم لا التوجيه، وحل كل مشكلة بأنفسهم، أو الاعتقاد بأن عليهم امتلاك جميع الإجابات. وتوصل هذه السلوكيات رسالة مفادها غياب الثقة، حتى لو لم تكن تلك نية القائد.
ويبدأ تغيير الثقافة بفحص هذه العادات. وعندما تُترك دون مراجعة، تظهر كلفة ذلك في الأشخاص الذين يقررون البقاء والآخرين الذين يرحلون.
2. الموظفون لا يتركون الشركات
يمكن للناس تحمل العمل الشاق، لكن ما لا يستطيعون الاستمرار فيه هو الشعور بالانفصال عن الغاية من كل ما يفعلونه.
وأظهرت أبحاث «جالوب» أن الموظفين الذين يؤكدون بشدة أن مؤسساتهم تهتم برفاههم الشامل تقل احتمالات بحثهم بنشاط عن وظيفة جديدة بنسبة 54%، ويبدأ ذلك من أمر بسيط للغاية: أن يشعر الموظف بأنه مرئي ومُقدَّر.
وغالبًا ما يكون ارتفاع معدل دوران الموظفين مجرد عرض للمشكلة. ومن السهل الاعتقاد بأن أحدهم يغادر بسبب التعويضات أو عبء العمل أو لأنه وجد فرصة أفضل، لكن السبب في كثير من الأحيان يكون تجربة القيادة اليومية نفسها.
والموظفون لا يتركون الشركات فحسب، بل يتركون البيئات التي لا يشعرون فيها بالتقدير أو الثقة أو أن صوتهم مسموع.
ولهذا يبدأ إصلاح ثقافة القيادة بإعادة النظر في الطريقة التي يصنع بها القادة بيئة العمل أو يسهمون في تشكيلها من خلال أفعالهم: إشراك الموظفين بصورة أكبر، ودفع عملية اتخاذ القرار إلى أقرب مستوى ممكن من موقع العمل.
وعندما تتحسن ثقافة القيادة، يصبح الاحتفاظ بالموظفين نتيجة طبيعية، وليس الهدف المباشر. وإلا تحوّل الأمر إلى مجرد برنامج آخر.
3. تغييرات صغيرة في القيادة تصنع تحولًا ثقافيًا دائمًا
لا تحتاج إلى إعادة بناء ثقافة المؤسسة بالكامل حتى تبدأ في تغيير المسار. فالقائد الذي يضع توقعات واضحة، ويتواصل بشفافية، ويمنح الموظفين ملكية حقيقية للقرارات، يبني الثقة بطريقة لا يستطيع أي اجتماع عام لجميع الموظفين أن يحققها.
ويكثر الحديث عن «الأمان النفسي»، لكن تطبيقه عمليًا هو ما يصنع الفارق بين فريق يكشف المشكلات في وقت مبكر، وآخر يخفيها حتى يصبح التعامل معها متأخرًا للغاية.
ولا تحتاج هذه التحولات إلى ميزانية، بل إلى اهتمام وتركيز. اطرح مزيدًا من الأسئلة قبل القفز إلى الحلول. ادفع القرارات إلى الأشخاص الأقرب إلى العمل. انتبه إلى الموظفين، وعبّر عن تقديرك لهم بشكل واضح ومنتظم. لا شيء من ذلك معقد، لكن المشكلة أن معظم هذه الممارسات لا تحدث بصورة متسقة.
المرآة هي الإستراتيجية
ثقافة المؤسسة هي المحصلة المتراكمة للطريقة التي يتصرف بها القادة كل يوم، وليست إدارة أو ملصقًا على الحائط أو ميزة إضافية للموظفين.
وإذا كان فريقك غير متفاعل أو كان معدل دوران الموظفين يرتفع، فإن أسرع طريق إلى الأمام هو إلقاء نظرة صادقة على عاداتك القيادية. أصلح هذه العادات، وستجد أن الثقافة غالبًا ما تصلح نفسها بنفسها.


