تنفق شركتك على الأرجح أموالًا حقيقية على رفاهية الموظفين؛ تدريبات بناء القدرة على الصمود. وتطبيقات اليقظة الذهنية، وورش إدارة الضغوط، والتدريب على النوم، وبرامج الرفاه المالي. النية جيدة، لكن النتائج، وفقًا لإحدى كبرى الدراسات التي أُجريت على هذا الموضوع، ليست كذلك.
في حين حللت دراسة مقطعية أجراها مركز أبحاث الرفاهية بجامعة أكسفورد. 46,336 موظفًا في 233 مؤسسة. واختبر الباحث الدكتور ويليام فليمينغ كل تدخل شائع على مستوى الفرد في مجال الصحة النفسية تستخدمه الشركات: تدريبات بناء القدرة على الصمود، واليقظة الذهنية، والتدريب، والتطبيقات، وإدارة الوقت، والرفاه المالي، أي القائمة الكاملة تقريباً.
والنتيجة أنه لم يُحدث أي منها فرقًا يُذكر في رفاهية الموظفين. بل إن برامج بناء القدرة على الصمود وإدارة الضغوط أظهرت آثارًا سلبية في بعض المقاييس.
التطوع وجدواه
كان هناك تدخل واحد نجح: التطوع. وهو البرنامج الوحيد على مستوى الفرد في مكان العمل الذي أدى إلى تحسن رفاهية الموظفين. ولم يكن التحسن هامشيًا، بل ملموسًا.
كما سجل التطوع أعلى معدلات مشاركة بين جميع البرامج التي خضعت للدراسة.
توقف عند هذه النقطة قليلًا. تتدفق مليارات الدولارات سنويًا إلى برامج رفاهية الموظفين في الشركات، لكن الشيء الوحيد الذي يحقق نتائج هو ذلك الذي تتعامل معه معظم الشركات باعتباره أمرًا ثانويًا.
مشكلة 140 مليون ساعة
إذا كان التطوع فعالًا فلماذا لا يحقق نتائج على نطاق واسع؟ لأن الشركات لا تستفيد مما لديها بالفعل.
أجرى «رويال فولنتاري سيرفيس» ومركز الاقتصاد وأبحاث الأعمال دراسة في 2025 شملت 1,000 شركة بريطانية، ووجدت أنه رغم أن 62% منها توفر لموظفيها وقتًا مدفوع الأجر للتطوع، فإن الغالبية العظمى من هذه الساعات لا تُستخدم.
وقدرت الدراسة وجود 140 مليون ساعة تطوع ممنوحة للموظفين، لكنها تبقى على الرف دون استخدام. والأسباب مألوفة لكل من أدار مثل هذه البرامج: الموظفون لا يعرفون الفرص المتاحة، والمشروعات المطروحة لا تبدو ذات معنى بالنسبة إليهم، ولا توجد بنية تحتية تربط الموظفين أصحاب المهارات بالمنظمات التي تحتاج فعليًا إلى مساعدتهم.
وتقدم البيانات في الولايات المتحدة قصة مماثلة. تظهر تقارير «سي إي سي بي» أن 89% من الشركات الأمريكية الكبرى توفر برامج للتطوع، لكن نحو 17% فقط من الموظفين كانوا يشاركون فيها تاريخيًا.
وارتفعت النسبة في الآونة الأخيرة، وتشير بيانات حديثة إلى أنها تقترب من 33%، لكن الفجوة بين إتاحة البرنامج والاستفادة منه لا تزال هائلة.
بينما اشترت الشركات هذه الميزة بالفعل، لكنها لا تقدمها لموظفيها بالشكل الذي يحقق قيمتها.
لماذا يهم هذا الآن؟
أتحدث كل أسبوع مع مسؤولي المسؤولية الاجتماعية للشركات في كبرى المؤسسات، والضغوط التي يواجهونها في 2026 مختلفة عن أي شيء رأيته من قبل. الميزانيات أكثر ضيقًا، وصبر الإدارات التنفيذية على البرامج التي لا تستطيع إثبات عائدها على الاستثمار أصبح أقل، والموظفون يعيشون حالة من القلق، ليس بسبب الاقتصاد فحسب، وإنما أيضًا بسبب الخوف الحقيقي من أن يأتي الذكاء الاصطناعي ليحل محل وظائفهم.
وتظهر استطلاعات حديثة أن 89% من العاملين يشعرون بالقلق بشأن أمنهم الوظيفي، بينما يتوقع 72% من كبار مسؤولي الموارد البشرية حدوث تغييرات في أدوار الموظفين بفعل الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الثلاث المقبلة.
في مثل هذه البيئة، يحتاج مسؤولو المسؤولية الاجتماعية للشركات إلى برامج تؤدي أكثر من وظيفة واحدة. هم بحاجة إلى برامج تجعل الموظفين أكثر كفاءة في وظائفهم، لا مجرد برامج تجعلهم يشعرون بالرضا عن شركاتهم.
وهنا تحديدًا يأتي دور التطوع القائم على المهارات المصمم بصورة جيدة.
وجد التقرير نفسه الصادر عن مركز الاقتصاد وأبحاث الأعمال أن الموظفين في الوظائف المهنية الذين استفادوا بالكامل من أيام التطوع المخصصة لهم حققوا زيادة سنوية مقدرة في الإنتاجية تبلغ 5,239 جنيهًا إسترلينيًا. أي نحو 6,600 دولار، نتيجة تطوير مهارات إضافية.
وتظهر أبحاث «ديلويت» أن 92% من المشاركين يرون أن التطوع يحسن مهارات الموظفين.
وهذه ليست مجرد مهارات شخصية ناعمة لا يستطيع الموظف الإشارة إليها في تقييم الأداء. فعندما يساعد مهندس مؤسسة اجتماعية على بناء بنية تحتية للبيانات، أو يضع مسؤول تسويق إستراتيجية لدخول السوق لصالح شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا الصحية في نيروبي، فإنه يمارس مهارات حل المشكلات متعددة الوظائف في بيئات غير مألوفة.
وهذا النوع من المهارات التكيفية والمرتكزة على العنصر البشري الذي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليده، والذي تزداد قيمته لدى أصحاب العمل.
وتلك هي الرسالة التي ينبغي لمسؤولي المسؤولية الاجتماعية للشركات طرحها أمام إداراتهم التنفيذية الآن: التطوع القائم على المهارات هو برنامج الموظفين الوحيد الذي يمتلك أدلة محكمة أكاديمياً على تحسين الرفاهية، إلى جانب فوائد مثبتة في تطوير المسار المهني والمهارات، وارتباط مباشر بالقدرات التكيفية التي تحتاج إليها الشركات بشدة مع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي لعالم العمل.
ماذا يعني ذلك لمسؤولي المسؤولية الاجتماعية؟
إذا كنت مسؤولًا عن المسؤولية الاجتماعية للشركات وتقرأ هذا المقال، فإن الأبحاث تقدم لك ورقة رابحة. لم تعد مضطرًا إلى بناء حجتك على القيم وحدها. فمبررات الاستثمار التجاري موجودة أمامك مباشرة:
بالنسبة إلى كبير مسؤولي الموارد البشرية:
تمنحك دراسة أكسفورد دليلًا على أن الإنفاق الذي تخصصه شركتك لرفاهية الموظفين. يمكن أن يكون أكثر فاعلية إذا أُعيد توجيهه نحو التطوع المنظم والقائم على المهارات.
وهو التدخل الوحيد الذي ثبت أنه يحسن الرفاهية على مستوى الفرد وعلى نطاق واسع.
بالنسبة إلى المدير المالي:
تقدم بيانات مركز الاقتصاد وأبحاث الأعمال أرقامًا واضحة بشأن المكاسب المحتملة في الإنتاجية. شركتك توفر بالفعل أيام تطوع مدفوعة الأجر. وتكلفة رفع معدلات الاستفادة منها. لا تمثل سوى جزء بسيط من تكلفة الميزة غير المستخدمة التي تدفع الشركة مقابلها بالفعل.
بالنسبة إلى الرئيس التنفيذي:
في عام يحتاج فيه كل برنامج إلى إثبات قيمته. يقع التطوع القائم على المهارات عند نقطة التقاء تطوير الموظفين. والاحتفاظ بالمواهب. والرفاهية، والأثر الاجتماعي.
إنه بند نادر يمكن لإدارات الموارد البشرية والمواهب والمسؤولية الاجتماعية للشركات جميعًا الدفاع عنه، ويرغب الموظفون أنفسهم في الاستفادة منه.
الجزء الأصعب ليس بناء الحجة. بل إنشاء البنية التحتية التي تضمن أنه عندما يأتي الموظفون للتطوع. يتم إسنادهم إلى مشروعات تستفيد من مهاراتهم الحقيقية. وتدعم منظمات تحتاج فعلًا إلى مساعدتهم. وتحقق نتائج يمكن قياسها.
وهنا تكمن الفجوة بين امتلاك برنامج للتطوع وامتلاك برنامج فعال بالفعل.
الأبحاث واضحة، والساعات مدفوعة الأجر بالفعل. والموظفون يبحثون تحديدًا عن هذا النوع من الشعور بالهدف والمعنى.
ويبقى السؤال أمام مسؤولي المسؤولية الاجتماعية للشركات: هل يستفيدون من هذه اللحظة. أم يسمحون بإهدار 140 مليون ساعة أخرى؟


