غالبًا ما نخلط بين الإنتاجية وبين العمل بأقصى سرعة ممكنة طوال ساعات اليوم. ونخشى أحيانًا أن يؤدي التوقف قليلًا لترتيب الأولويات وتنظيم المهام إلى إهدار الوقت، لكن الواقع يقول عكس ذلك تمامًا.
يقضي الموظف المكتبي العادي ساعتين على الأقل يوميًا، أي نحو 25% من أسبوع العمل، في البحث عن المستندات أو المعلومات أو الأشخاص الذين يحتاج إليهم لإنجاز عمله، وفقًا لمسح أجرته شركة «غلين» عام 2022 حول عادات العمل الهجين.
وأظهر استطلاع آخر أجرته «ويكفيلد ريسيرش» أن 54% من العاملين في المكاتب بالولايات المتحدة يقضون وقتًا أطول في البحث عن المستندات والملفات التي يحتاجون إليها مقارنة بالوقت الذي يقضونه في الرد على رسائل البريد الإلكتروني والرسائل الأخرى.
وحتى المديرون التنفيذيون كانوا أكثر انزعاجًا من هذه المشكلة، إذ كانوا أكثر ميلًا بثلاث مرات إلى اعتبار سرعة العثور على الملفات مشكلة رئيسية مقارنة بالفرق التي يديرونها.
ولا يقتصر الأمر على الوقت. فقد أظهر استطلاع أجرته «ليندينغ تري» عام 2022 أن 23% من البالغين يتأخرون في سداد فواتيرهم لأنهم نسوا وجودها تمامًا، بينما يعرف 22% بوجود الفاتورة لكنهم ينسون موعد استحقاقها، معتقدين أن أمامهم وقتًا أطول مما هو متاح بالفعل.
الفوضى مكلفة، سواء من حيث المال أو الوقت. لكن إذا أقنعت نفسك بالتباطؤ قليلًا وتنظيم حياتك وعملك، فقد تكتشف أن العائد على هذا الاستثمار أكبر بكثير مما تتوقع.
عادات الشخص المنظم والمنتج
«مقابل كل دقيقة تنفقها في التنظيم، تكسب ساعة».. هكذا تُنسب إلى بنيامين فرانكلين عبارة شهيرة، ورغم أن تقديره قد يكون مبالغًا فيه، فإن تخصيص الوقت للتنظيم يظل استثمارًا بالغ القيمة.
هناك سبب يجعل الأشخاص الأكثر هدوءًا وأقل تعرضًا للتوتر أكثر إنتاجية. فهم يدركون أهمية التنظيم، وحوّلوا ذلك إلى عادات يومية تساعدهم على العمل بكفاءة أكبر.
والخبر الجيد أن هذه العادات ليست حكرًا على أشخاص دون غيرهم، بل يمكن لأي شخص اكتسابها وتطويرها.
1. لا يتركون مكاتبهم فوضوية
قد تظن أنك تعرف بالضبط أين وضعت مستندًا معينًا، أو في أي كومة من الأوراق ستجده، لكنك تخدع نفسك إذا اعتقدت أن مكتبًا مرتبًا لن يجعلك أكثر إنتاجية.
كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة برينستون عام 2011 أن ازدحام الدماغ بالمحفزات المتنافسة الناتجة عن الفوضى يقلل قدرتنا على التركيز.
ولم يكن الأمر مجرد انطباع شخصي؛ إذ تمكن الباحثون من رصد الفروق في نشاط أدمغة المشاركين باستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.
2. لا يتعاملون مع الشيء نفسه مرتين
لا يتركون الأشخاص المنظمون والمنتجون أي مهمة معلقة بلا داعٍ، لأن العودة إلى الشيء نفسه أكثر من مرة واحدة تستنزف وقتًا ثمينًا.
لا تؤجل التعامل مع بريد إلكتروني أو مكالمة هاتفية لمجرد أنك لا تريد التعامل معها الآن. بمجرد أن تستحوذ المهمة على انتباهك، إما أن تنجزها، أو تفوضها إلى شخص آخر، أو تحذفها إذا لم تكن ضرورية.
3. لا يردون على رسائل البريد فور وصولها
الأشخاص المنتجون لا يسمحون للبريد الإلكتروني بأن يتحول إلى مصدر دائم للمقاطعة.
بدلًا من تفقد صندوق الوارد كلما وصلت رسالة جديدة، يحددون أوقاتًا معينة لمراجعته، ويستفيدون من أدوات ترتيب الرسائل حسب المرسل والأهمية. ويمكنهم، مثلًا، تفعيل تنبيهات للرسائل الواردة من أهم العملاء أو الموردين، وترك الرسائل الأقل أهمية إلى أن ينتهوا من المهمة التي يعملون عليها.
ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك باستخدام رد تلقائي يخبر المرسلين بالوقت الذي يراجعون فيه بريدهم الإلكتروني.
4. يعتمدون على قائمة مهام واحدة
تذكر تلك المفكرات الجلدية التي كانت تملأها بقائمة مهام مرتبة حسب الأولوية وبألوان مختلفة؟ قد تبدو اليوم قديمة الطراز، لكنها كانت تؤدي وظيفة مهمة للغاية: إبقاء جميع المهام في مكان واحد.
عندما تجمع كل مهامك في قائمة واحدة، ستعرف دائمًا أين تبحث. ولن تضطر إلى إهدار وقتك في محاولة تذكر القائمة التي وضعت فيها معلومة معينة أو المهمة التي كان يفترض أن تنجزها.
5. يتمتعون بدرجة عالية من الوعي الذاتي
يعرف الأشخاص شديدو التنظيم والإنتاجية أنفسهم جيدًا. يعرفون نقاط ضعفهم، ويضعون أنظمة تساعدهم على التعامل معها بدلًا من تجاهلها.
إذا كانوا يميلون إلى ترك الاجتماعات تمتد أكثر من اللازم، يضعون مؤقتًا يحدد وقت الاجتماع. وإذا كانوا يجدون صعوبة في إبقاء الاجتماعات عملية ومنتجة، يضعون جدولًا واضحًا لأعمالها.
وإذا كانوا ينسون تفقد رسائل البريد الصوتي صباحًا، يضبطون تذكيرًا لذلك.
التفاصيل ليست هي الأهم. الأهم أن يدرك الشخص نقاط ضعفه التنظيمية، ثم يستخدم أدوات وعادات محددة للتغلب عليها.
6. يخصصون وقتًا للغداء
مررنا جميعًا بهذا الموقف: ننغمس في العمل ونرفع رؤوسنا لنكتشف أن وقت الغداء قد مضى منذ فترة طويلة. فنقرر إما تخطي الوجبة، أو تناول قطعة حلوى أو كيس من رقائق البطاطس من آلة البيع.
لكن الخيارين ليسا جيدين.
الاستهلاك المنتظم للسكر أو الأطعمة الغنية بالدهون يمكن أن يؤثر سلبًا في الوظائف الإدراكية ويزيد الشعور بالتعب. أما تخطي الوجبات، فلا يؤثر فقط في الذاكرة والتركيز والصحة الجسدية والنفسية، بل قد يؤثر أيضًا في الوزن.
وأظهرت دراسة منشورة في «مجلة أكاديمية التغذية وعلم التغذية» أن تخطي الوجبات يرتبط باختيارات غذائية أقل صحة في مكان العمل، بينما يرتبط تخطي وجبة الإفطار بانخفاض جودة النظام الغذائي.
لذلك، فإن تخصيص وقت لتناول وجبة مناسبة ليس رفاهية تعطل الإنتاجية، بل جزء من الحفاظ عليها.
7. يبدؤون بالمهام الأصعب
«أكل الضفدع» من أفضل الطرق لمواجهة التسويف؛ والمقصود هنا أن يبدأ الشخص شديد الإنتاجية صباحه بالمهمة الأقل جاذبية والأكثر صعوبة في قائمته.
بمجرد الانتهاء من هذه المهمة، يصبح بقية اليوم أسهل. إذ يتخلص الشخص من العبء الأكبر الذي كان يشغل جزءًا من تفكيره، ويمكنه الانتقال إلى المهام التي تمنحه قدرًا أكبر من الحماس والطاقة.
8. يرتبون مكان العمل في نهاية اليوم
من أفضل طرق التخلص من الفوضى تخصيص نحو 10 دقائق في نهاية كل يوم لترتيب المكتب.
صحيح أننا نعرف أن الأفضل هو التعامل مع كل مهمة مرة واحدة، لكن الحياة العملية لا تسير دائمًا بهذه المثالية. قد تتوقف عن إنجاز مهمة بسبب مكالمة هاتفية أو زيارة مفاجئة أو اجتماع طارئ.
لا يمكنك منع هذه المقاطعات دائمًا، لكن يمكنك إنهاء يومك بتسوية الأمور التي تركتها معلقة في منتصفها.
عشر دقائق من التنظيم في نهاية اليوم قد توفر عليك وقتًا أطول بكثير في صباح اليوم التالي.
9. يخططون ليومهم في الليلة السابقة
يذهب الأشخاص المنظمون والمنتجون إلى النوم وهم يعرفون ما يريدون إنجازه في اليوم التالي.
يحددون أولوياتهم مسبقًا، ولذلك عندما يبدأ يوم العمل لا يكونون عرضة بالسهولة نفسها لما يمكن تسميته «استبداد العاجل»: تلك الحرائق الصغيرة التي تشتعل فجأة وتستنزف الانتباه، رغم أنها ليست بالضرورة أهم ما ينبغي إنجازه.
التخطيط المسبق يمنحك فرصة لبدء اليوم وفق أولوياتك أنت، بدلًا من ترك الآخرين والظروف يحددونها بالنيابة عنك.
10. يستفيدون من التكنولوجيا بأفضل صورة
كثيرًا ما نسمع أن التكنولوجيا الحديثة تمدد ساعات العمل وتجعلنا متاحين طوال الوقت. وقد يكون ذلك صحيحًا في بعض الحالات، لكن التكنولوجيا يمكن أن تكون أيضًا واحدة من أقوى أدوات رفع الإنتاجية.
يمكنك مثلًا استخدام فلاتر البريد الإلكتروني للتخلص من الرسائل غير المرغوب فيها، أو الاستعانة بتطبيقات تنظيم الملاحظات والمعلومات التي ستحتاج إليها لاحقًا.
التكنولوجيا ليست عدوًا للإنتاجية بالضرورة. المشكلة في الطريقة التي نستخدمها بها.
وعندما تُستخدم بالشكل الصحيح، يمكنها أن توفر قدرًا كبيرًا من الوقت والجهد.
التنظيم ليس رفاهية
كل دقيقة تقضيها في البحث عن شيء فقدته، أو محاولة تذكر ما ينبغي عليك فعله بعد ذلك، تنتقص من إنتاجيتك. ومع مرور الوقت، يمكن أن ينعكس ذلك على أدائك وفرصك المهنية.
لكن الخبر الجيد أن التنظيم ليس مهارة غامضة أو موهبة يولد بها البعض دون غيرهم. هناك أدوات وعادات وأنظمة يمكن لأي شخص استخدامها لبناء طريقة أكثر كفاءة في إدارة وقته ومهامه.
حتى أكثر الأشخاص فوضوية يمكنهم وضع نظام يساعدهم على البقاء منظمين، شرط أن يبدأوا بخطوات بسيطة، وأن يحافظوا عليها باستمرار.
فالإنتاجية لا تعني أن تعمل أسرع طوال الوقت، بل أن تعرف أين تضع وقتك وانتباهك، وأن تمنع الفوضى من سرقتهما منك.


