تشهد المسؤولية الاجتماعية للشركات تحولًا كبيرًا. فبعد أن كانت تعرف في السابق من خلال الأعمال الخيرية والامتثال، أصبحت اليوم تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل الإستراتيجية الأساسية للشركات.
ومع تسييس معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، يطلب من قادة المسؤولية الاجتماعية تقديم أثر ملموس وقابل للقياس، يتماشى في الوقت نفسه مع أهداف الشركات واحتياجات المجتمع.
لكن رغم تزايد الاستثمارات في هذا المجال، لا تزال العديد من برامج المسؤولية الاجتماعية غير مكتملة، والأسوأ من ذلك أن بعضها توقف تمامًا عن تحقيق أي تقدم. وكما كتبنا مع «Triple Pundit»، فإن منطقة الخوف حقيقية.
ويقدم تقرير جديد صادر عن «المرصد العالمي لريادة الأعمال» رؤى مهمة حول كيفية تمكن قادة المسؤولية الاجتماعية من بناء برامج أكثر تأثيرًا وارتباطًا بأهداف الشركات.
وخصوصًا في الأسواق الناشئة، يظهر عدد متزايد من «رواد الأعمال الاجتماعيين» الذين يحققون أثرًا إيجابيًا في حياة الناس وعلى البيئة، لكنهم لا يزالون خارج إستراتيجيات المسؤولية الاجتماعية والبيئية والحوكمة في الشركات.
وهذه فرصة ضائعة.
فقادة المسؤولية الاجتماعية يمتلكون فرصة فريدة لبناء شراكات عالية التأثير ومتبادلة المنفعة، من خلال توظيف موظفيهم لدعم رواد الأعمال الاجتماعيين الذين يقودون بالفعل تغييرًا منهجيًا، إلى جانب إيجاد سبل لدمج هؤلاء الرواد في سلاسل التوريد الخاصة بالشركات.
حركة عالمية تتسع
يقدم تقرير «المرصد العالمي لريادة الأعمال» نظرة نادرة قائمة على البيانات إلى دوافع رواد الأعمال وأنشطتهم في أكثر من 60 اقتصادًا.
ومن أبرز النتائج أن نسبة كبيرة ومتزايدة من رواد الأعمال الجدد تتحرك بدافع الرغبة في «إحداث تغيير في العالم».
وهذا لا ينطبق فقط على الدول الغنية. ففي الواقع، غالبًا ما يكون رواد الأعمال في الاقتصادات منخفضة الدخل أكثر ارتباطًا بالهدف الاجتماعي والبيئي.
فعلى سبيل المثال:
أكثر من 60% من رواد الأعمال في المراحل المبكرة في الهند وغواتيمالا وجنوب أفريقيا يقولون إن الدافع الأساسي وراء أنشطتهم هو تحقيق أثر اجتماعي وبيئي.
حتى في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي، من المرجح بدرجة أكبر أن يستوفي رواد الأعمال في دول مثل السودان والبرازيل معايير الاستدامة الرئيسية مقارنة بنظرائهم في الاقتصادات مرتفعة الدخل.
كما ظهرت مبادرات متنامية، مثل شهادة «People + Planet First»، للاعتراف بهؤلاء المبتكرين ومنحهم شهادات اعتماد.
هؤلاء الأشخاص لا ينتظرون الشركات متعددة الجنسيات أو الحكومات لحل المشكلات العالمية. إنهم يبنون شركات تعالج قضايا الفقر والصحة والطاقة النظيفة والتكيف مع تغير المناخ والأمن الغذائي والتعليم الشامل، ويضعون تحقيق هذه الأهداف قبل الأرباح.
كما جاء في تقرير «الاستدامة وريادة الأعمال» الصادر عن المرصد العالمي لريادة الأعمال لعامي 2023 و2024:
«ريادة الأعمال القائمة على الهدف ليست حكرًا على الدول الغنية. وفي كثير من الأحيان، تكون أقوى في الأماكن التي تكون فيها التحديات أكبر».
الهدف وحده لا يكفي
رغم ارتفاع مستوى الدافع لدى هؤلاء الرواد، ورغم أن الأثر الذي يحققونه يمكن أن يغير العالم حرفيًا، تظهر البيانات أن عددًا قليلًا نسبيًا منهم يحصل على الدعم الذي يحتاج إليه للوصول إلى كامل إمكاناته.
فلماذا توجد هذه الفجوة؟
الأمر لا يتعلق بنقص الرؤية أو الالتزام، وإنما بعوائق هيكلية.
ومن أبرز هذه العوائق:
نقص الوصول إلى رأس المال:
غالبًا ما لا تتوافق المشروعات ذات الأهداف الاجتماعية والبيئية مع معايير الاستثمار التقليدية.
محدودية الوصول إلى الخبرات عالية المهارة:
كثيرًا ما يحتاج هؤلاء الرواد إلى دعم في مجالات مثل استراتيجية الوصول إلى السوق، والنماذج المالية، والتحول الرقمي، والعمليات.
فجوات السياسات والبنية التحتية:
يؤدي عدم اتساق الدعم التنظيمي وضعف الأنظمة المحلية إلى صعوبة التوسع.
عدم تكافؤ الوصول إلى الشبكات:
غالبًا ما يستبعد هؤلاء الرواد من شبكات الابتكار العالمية. وهنا تحديدًا يمكن لقادة المسؤولية الاجتماعية أن يؤدوا دورًا تحويليًا.
لماذا يهم الشركات؟
إذا كنت مسؤولًا عن إستراتيجية المسؤولية الاجتماعية أو المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة في شركتك، فمن المرجح أنك تواجه أربعة تحديات مترابطة:
الأثر: إثبات تحقيق تقدم قابل للقياس تجاه الأهداف البيئية و/أو الاجتماعية.
الموظفون: إشراك الموظفين والاحتفاظ بهم من خلال مبادرات قائمة على الهدف.
الأرباح: المساهمة في تحسين النتائج المالية للشركة.
تغيير الأنظمة: تحسين القطاع والنظام الذي تعمل الشركة داخله.
ودعم رواد الأعمال يعالج هذه التحديات الأربعة في الوقت نفسه.
فعلى مستوى الأثر، يعمل هؤلاء الرواد على تطوير حلول حقيقية لمشكلات مرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، بدءًا من الطاقة النظيفة والرعاية الصحية الشاملة وصولًا إلى الزراعة المستدامة.
أما على مستوى تطوير المواهب، فإن إشراك الموظفين في تقديم دعم قائم على مهاراتهم للمشروعات الاجتماعية يساعد على تنمية القيادة والتعاطف والقدرة على التعاون عبر الثقافات.
وعلى مستوى الأعمال، تمتد الفوائد إلى تحسين سلاسل التوريد، والاحتفاظ بالموظفين، وتعزيز الشراكات.
أما فيما يتعلق بتغيير الأنظمة، فإن رواد الأعمال الاجتماعيين يعملون عند نقطة التقاطع بين الابتكار التجاري والاجتماعي، ويستهدفون جذور المشكلات وليس أعراضها.
وقد بدأت شركات مثل «SAP» و«EY» و«Reckitt» في دمج دعم المشروعات الاجتماعية ضمن برامج إشراك الموظفين وتطوير القيادات. لكن غالبية إستراتيجيات المسؤولية الاجتماعية لا تزال تتجاهل هذه الفرصة ذات التأثير الكبير.
التطوع بالمهارات
تخيل مديرًا للمنتجات في شركة عالمية للسلع الاستهلاكية يقدم المشورة لشركة ناشئة في كولومبيا تساعد صغار المزارعين على الحد من هدر المنتجات بعد الحصاد، من خلال استخدام مرافق تخزين تعمل بالطاقة الشمسية.
أو تخيل عضوًا في فريق مالي يساعد شركة اجتماعية في كينيا على تطوير نماذج تسعير مستدامة.
هذه ليست أمثلة افتراضية. إنها نماذج حقيقية لكيفية تمكن التطوع القائم على المهارات مثل: مساعدة رواد الأعمال على تجاوز العقبات الأساسية أمام التوسع. منح الموظفين فرصة ممارسة الابتكار القائم على الهدف.
تعزيز مصداقية الشركة في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة من خلال أثر حقيقي مرتبط بالمجتمعات المحلية.
اكتشاف شركاء محتملين في المستقبل ضمن سلاسل التوريد والقيمة، بما يحسن العمليات داخل الشركات.
ويؤكد تقرير «المرصد العالمي لريادة الأعمال» أن رواد الأعمال الذين يحصلون على الدعم يكونون أكثر ميلًا بكثير إلى اتخاذ إجراءات ملموسة في المجالات البيئية والاجتماعية.
وبإمكان قادة المسؤولية الاجتماعية بناء مسارات دعم قابلة للتوسع، تربط بين خبرات الموظفين واحتياجات المشروعات التي تم التحقق منها والتي يقودها رواد أعمال يركزون على تحقيق أثر حقيقي.
حان وقت التحرك
المستقبل يجري بناؤه بالفعل على أيدي رواد أعمال في مختلف أنحاء العالم.
إنهم:
يطورون حلولًا لمواجهة تغير المناخ في المجتمعات الأكثر تضررًا من التدهور البيئي.
يدفعون باتجاه تحقيق المساواة بين الجنسين في المناطق التي تواجه فيها النساء إقصاءً ممنهجًا.
يعيدون تصور النمو الشامل في اقتصادات لا تزال تعاني من آثار الاستغلال وعدم المساواة.
لكنهم لا يستطيعون القيام بذلك بمفردهم.
يمتلك قادة المسؤولية الاجتماعية فرصة غير مسبوقة لإعادة صياغة استراتيجياتهم من خلال:
الانتقال من المسؤولية الاجتماعية القائمة على المعاملات إلى شراكات تحولية.
إشراك الموظفين بطرق تطور مهاراتهم وتعزز ثقافة الشركة.
دعم التقدم المنهجي نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال تحرك متسق مع هذه الأهداف.
إذا كانت شركتك جادة بشأن خلق قيمة مشتركة، فإن دعم رواد الأعمال الذين يعملون بالفعل على تحقيق ذلك يمكن أن يكون واحدًا من أكثر التحركات تأثيرًا التي يمكنك اتخاذها.
فالمشكلة ليست في غياب رواد الأعمال الذين يعملون على بناء مستقبل أفضل، بل في أن كثيرًا من الشركات لا تزال لا تعرف كيف تستفيد من هذه الطاقة بالشكل الصحيح.
وقد يكون دور المسؤولية الاجتماعية للشركات في المرحلة المقبلة أكبر بكثير من مجرد تقديم التبرعات أو تنفيذ المبادرات المنفصلة.
إنه يتمثل في بناء شراكات، وتوجيه الخبرات والموارد، وفتح الأسواق وسلاسل التوريد أمام رواد أعمال يحاولون معالجة أكثر مشكلات العالم إلحاحًا.
وعندما تلتقي أهداف الشركات مع طموحات هؤلاء الرواد، لا يعود تحقيق الأثر الاجتماعي والبيئي مجرد نشاط جانبي، بل يتحول إلى جزء من إستراتيجية النمو نفسها.


