أصبحت القدرة على إنجاز المهام بكفاءة تحديًا متزايدًا في بيئات العمل الحديثة، رغم الانتشار الواسع لأساليب تنظيم الوقت وتخطيط الجداول اليومية.
وفي هذا الصدد، تشير دراسات وتجارب حديثة إلى أن المشكلة لا تكمن دائمًا في عدد ساعات العمل أو طريقة توزيعها. بل في كيفية إدارة مستويات الطاقة الذهنية والجسدية، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في جودة الأداء واستمراريته.
ومن هذا المنطلق، يتزايد الاهتمام بالممارسات التي تسمح للأفراد بالحفاظ على نشاطهم الذهني وتحسين قدرتهم على الإنجاز دون الوقوع في دائرة الإرهاق المستمر.
وبحسب ما نشرته مجلة «فورتشن»، فإن التركيز على تنظيم الوقت وحده قد لا يكون كافيًا لتحقيق إنتاجية مرتفعة. إذ تشير التجارب إلى أن إدارة الطاقة تمثل عنصرًا حاسمًا في رفع كفاءة الأداء.
كما أوضحت النتائج أن تطبيق مجموعة من الممارسات العملية أسهم في رفع مستويات الطاقة بمتوسط 40% خلال خمسة أيام فقط. وهو ما يعكس أهمية التعامل مع الطاقة باعتبارها موردًا يحتاج إلى إدارة مستمرة، وليس مجرد نتيجة تلقائية لتنظيم ساعات العمل.
ويرى مختصون أن الاعتماد على جداول زمنية دقيقة وتقسيم اليوم إلى فترات عمل متتالية لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج أفضل. خاصة عندما يكون الذهن مرهقًا أو القدرة على التركيز منخفضة.
ولذلك، فإن إعادة النظر في طريقة التعامل مع الجهد الذهني أصبحت ضرورة. خصوصًا مع ازدياد متطلبات العمل وتعدد المهام اليومية.
التعامل مع الطاقة باعتبارها المورد الحقيقي
تشير التوصيات إلى ضرورة النظر إلى الطاقة بوصفها المورد الأساسي الذي يحدد قدرة الإنسان على الإنجاز، بدلًا من التركيز الحصري على الوقت.
وكل مهمة يومية، سواء كانت اجتماعًا أو رسالة إلكترونية أو تعاملًا مع موقف ضاغط، تستهلك جزءًا من هذا الرصيد. بينما تختلف درجة الاستنزاف من نشاط إلى آخر بحسب طبيعته ومتطلباته.
وفي المقابل، تؤكد الأبحاث أن الطاقة ليست عنصرًا ثابتًا، بل يمكن تعزيزها من خلال ممارسات مدروسة.
وأظهرت أبحاث الدكتورة جيل كالدر، التي طورت نظامًا لاحتساب نقاط الطاقة لمساعدة المتعافين من أعراض كوفيد طويل الأمد، أن حضور اجتماع يتطلب اتخاذ قرارات يستهلك 10 نقاط طاقة. وهو المعدل نفسه تقريبًا الذي يستهلكه حضور فعالية مهنية بعد ساعات العمل.
كما بينت النتائج أن مساعدة الأطفال على أداء واجباتهم الدراسية قد تستهلك 6 نقاط. بينما يؤدي القلق المستمر أو الإحباط أو الغضب تجاه المدير أو الزملاء إلى استنزاف يتراوح بين 8 و9 نقاط. وحتى الاستخدام المتكرر لوسائل التواصل الاجتماعي خلال اليوم قد يكلف الفرد 5 نقاط طاقة. الأمر الذي يساعد على تقييم الأنشطة اليومية وفقًا لحجم تأثيرها الحقيقي.
التخلص من المهام غير الضرورية
وتؤكد التوصيات أهمية مراجعة الالتزامات بصورة دورية، مع تخصيص وقت منتظم لتحديد الأعمال التي لم تعد تضيف قيمة حقيقية.
ويساعد هذا الأسلوب على تقليل الأنشطة التي تستنزف الجهد دون تحقيق نتائج ملموسة. بما يتيح توجيه الطاقة نحو الأولويات الأكثر أهمية.
كما تدعو التوصيات إلى استبدال الرفض المباشر بأسلوب أكثر مرونة عند التعامل مع الطلبات الجديدة. من خلال الموافقة المشروطة بوقت مناسب أو بإعادة توزيع المهام الحالية. ويسهم هذا النهج في الحفاظ على العلاقات المهنية. وفي الوقت نفسه يمنع تراكم الالتزامات التي تؤثر سلبًا في مستويات الطاقة.
ومن بين الوسائل العملية التي تناولها التقرير أيضًا استخدام الماء البارد للمساعدة على تهدئة التوتر. حيث يؤدي تبريد الوجه إلى خفض معدل ضربات القلب وتنشيط الجهاز العصبي المسؤول عن الاسترخاء. وهو ما يمنح الجسم فرصة لاستعادة قدر من الهدوء والتركيز خلال فترة قصيرة.
وسائل بسيطة لتعزيز النشاط الذهني
ويتناول التقرير كذلك دور بعض الوسائل اليومية في رفع مستويات اليقظة. مشيرًا إلى أن النعناع يعد من الخيارات التي أظهرت الدراسات فاعليتها في تقليل الإرهاق الذهني وتحسين الأداء في المهام المعرفية. إذ يبدأ تأثيره خلال ثانيتين فقط، الأمر الذي يجعله وسيلة عملية يمكن الاستفادة منها أثناء ساعات العمل.
ومن الإرشادات التي حظيت باهتمام أيضًا ما يعرف بقاعدة 90 ثانية. والتي ترتكز على منح الجسم فرصة لتهدئة الاستجابة الكيميائية الناتجة عن المواقف المسببة للتوتر قبل اتخاذ أي قرار أو إرسال أي رد. ويساعد هذا الأسلوب على تقليل الانفعالات، وتحسين جودة القرارات، والحد من استنزاف الطاقة النفسية.
وتخلص المعطيات إلى أن تحسين الأداء لا يرتبط بزيادة ساعات العمل أو مضاعفة الجهد. بل يعتمد على بناء عادات صحية تحافظ على النشاط الذهني والجسدي طوال اليوم.
كذلك تؤكد أن الاستثمار في إدارة الطاقة يمنح الأفراد قدرة أكبر على التركيز، واتخاذ قرارات أكثر جودة. وإنجاز المهام بكفاءة أعلى؛ بما يجعلها أحد أهم العوامل المؤثرة في الإنتاجية داخل بيئات العمل الحديثة.


