تُعد المعرفة من أكثر مدخلات الابتكار أهمية، وعلى مدى ستين عامًا مضت تطورت المشاركة في نطاق هندسة المجتمع وإنتاجيته ونموه الاقتصادي القائم على مفاهيم الابتكار المتنوعة، ومن ضمنها مفهوم الابتكار الاجتماعي.
وقد انتشر مفهوم الابتكار الاجتماعي ليصبح في وقتنا الحالي ضمن المؤشرات المهمة التي تُقاس بها القدرة التنافسية. وعلى مستوى النظام يُعد الابتكار الاجتماعي من الاستراتيجيات الحديثة التي بلورتها أدبيات الفكر الإداري والاقتصادي معًا لتلبي رفاهية المجتمع وتعاظم منفعته الاجتماعية وقيمته الاقتصادية.
وعند تتبع سلسلة البعد التاريخي لظهور هذا الحدث نجد أن بروزه ظهر في فجر الثورة الصناعية بالقرن التاسع عشر؛ حيث كان له تأثير كبير في انسجام الحركات التعاونية والتبادلية الجديدة بين أنظمة المجتمع والمصانع، منها: ابتكار نماذج المدن والتخطيط الحضري والخدمات العامة، وابتكار القروض الصغيرة، والحدائق العامة ذات المسارات الصحية، وابتكار نماذج المدارس والجامعات المفتوحة ورياض الأطفال، أما على المستوى العربي والخليجي فتعتبر بداياته غير مؤكده، بل هناك العديد من المحاولات والاجتهادات المؤسسية لاستنبات هذا المجال وإدخال مضامينه المفهومية في الشارع العربي، إلا ان تلك المحاولات اختزلت تأصيل هذا المفهوم وتداخلت مع الأنشطة التي تحاكي ريادة الأعمال والريادة الاجتماعية فقط دون غيرها. بل إن العديد من المؤتمرات والندوات استخدمته كمرادف لريادة الأعمال أو ربطه بكل عمل يتعلق بالأنشطة الاجتماعية.
الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال
تأسيسًا على ما سبق يمكن توضيح المفارقات التي اتفق عليها خبراء الاقتصاد والعلوم الاجتماعية فيما يتعلق بمفاهيم الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال والأنشطة الاجتماعية؛ حيث تتسم أنشطة ريادة الأعمال بميزة الإبداع الفردي وتتصف بالمخاطرة والموجهة نحو تنمية مهارات الفرد للعمل الحر؛ ما يعني أنها تهتم بالمشروعات الفردية أو مجموعة الأفراد، وقد تكون تلك المشروعات في النطاق الصغير أو المتوسط وفقًا للمعايير الاقتصادية، ومنها تستخرج الفرص على مستوى الأفراد لتحقيق الأرباح الشخصية والمساهمة في تنمية المجتمع.
أما الابتكار الاجتماعي فيتفق معظم الخبراء المهتمين بمجالاته على اختلاف مفهومه عن ريادة الأعمال والتي يمكن أن تمثل بأنواع مختلفة من الإنتاجية أو الاستثمار في الأسواق الناشئة. وعليه ينظرون للابتكار الاجتماعي من خلال البعد الشامل على مستوى النظام الاجتماعي ككل، فلا يُختزل في جزء فرعي من النظام. بل يلامس القيمة المضافة التي تلبي احتياجات المجتمع الجديدة، والتي لا يوفرها السوق، أو يمكن من خلاله إنشاء طرق جديدة في المجتمع تُمكّن الناس في النظام الاجتماعي الشامل من تحسين دورهم في الإنتاجية وتزيد من جودة الحياة ورفاهيتها.
وهذا يعني أن الابتكار الاجتماعي يسعى لتغيير الطرق والعمليات والأساليب والإجراءات من أجل تحسين آثارها في المجتمع، ويتضح بعد ذلك أن ريادة الأعمال تتسم عملياتها على مستوى تحسين الفرد، بينما المشاريع الاجتماعية غالبًا ما يقوم بها القطاع الثالث (غير الربحي) وتنطوي عملياتها على الأعمال الخيرية.
كل ذلك الإرهاصات تشير إلى أهمية الأخذ بمبدأ التجذير السليم لهذا المفهوم في البيئة العربية والخليجية، بما يمكّنها من رفع مستويات القدرة التنافسية والالتقاء الموجه مع حاجات المجتمع، خاصة أن هناك حراكًا محليًّا ينبغي أن يتناغم مع رؤية المملكة ٢٠٣٠ لتأصيل هذا المفهوم، وبما يحقق التطورات الإيجابية في كل مستويات النظام الاجتماعي ويعزز قدرة المجتمع على مبدأ العمل، مع أهمية إعطاء المساحة الكافية لمؤسسات التعليم العالي ومراكزها البحثية للمساهمة والتحول لمنظومة الابتكار الاجتماعي، كون تلك المؤسسات تؤدي دورًا حيويًا في إنتاج المعرفة وصناعة عمالها المعرفيين، وعليه سيعمل التعاون بين الخبرات الأكاديمية وخبرات الممارسين في المجتمع نحو معالجة مشكلات المجتمع بالبحث والابتكار القائمين على المعلومات والاحتياجات المجتمعية.
اقرأ أيضًا:
كتب الابتكار.. 10 مؤلفات تغيّر عقلك
فيصل عبد الجبار: “المشاريع التي لا توظّف التقنية فرصها ضئيلة”
صور| التفاصيل الكاملة لمؤتمر تمكين المرأة السعودية برعاية “سواحل الجزيرة”
إدارة تقنية المعلومات.. السبيل لنجاح الأعمال
ISO 22000.. وتعزيز الأمن الغذائي


