تظل الرقابة الإدارية، حجر الزاوية في منظومة العمل الحكومي والخاص الفعّال، فهي بمثابة ذلك الحارس الأمين الذي يشرف على سلامة الإجراءات الإدارية، ويضمن التزامها بالقوانين واللوائح المنظمة، ويساهم في تحقيق الأهداف المرجوة بكفاءة وفعالية.
وتتخطى الرقابة الإدارية دورها التقليدي المتمثل في رصد المخالفات ومعالجتها، لتصبح شريكًا استراتيجيا في دفع عجلة التطوير والتحديث داخل أجهزة الدولة. فعلى عكس الرقابة المالية التي تركز على سلامة الإنفاق، تعنى الضوابط الإدارية بجودة الأداء وكفاءة سير العمل. ما يجعلها أداة فعالة لتعزيز الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
الرقابة الإدارية
تمارس الرقابة الإدارية على مستويات متعددة، بدءًا من الرقابة الذاتية التي يقوم بها كل موظف على عمله. مرورًا بالرقابة الداخلية التي تمارسها كل إدارة أو قسم على أنشطته، وصولًا إلى الرقابة الخارجية التي تمارسها جهات مختصة. وتتخذ الضوابط الإدارية أشكالًا متعددة، منها:
-
الرقابة الوقائية
تعد الرقابة الوقائية خط الدفاع الأول ضد المخالفات الإدارية، فهي تهدف إلى منع حدوثها قبل وقوعها. من خلال تقييم المخاطر المحتملة وتحديد نقاط الضعف في الإجراءات والأنظمة المتبعة. وتتضمن الرقابة الوقائية عدة ممارسات، منها: التدقيق على الإجراءات والأنظمة وتقييم المخاطر والتوعية والتدريب.
-
الرقابة اللاحقة
تمارس الرقابة اللاحقة بعد وقوع المخالفات، وتتمثل في كشفها ومعالجتها واتّخاذ الإجراءات التأديبية المناسبة بحقّ المقصرين. وتتضمن الرقابة اللاحقة عدة ممارسات، منها: “مراجعة التقارير والوثائق، وإجراء التحقيقات الميدانية واتّخاذ الإجراءات التأديبية.
-
الرقابة على الأداء
تعنى الرقابة على الأداء بتقييم مدى فعالية وكفاءة الأداء الإداري في تحقيق الأهداف المرجوة، وتحديد مجالات التطوير والتحسين. وتتضمن الرقابة على الأداء عدة ممارسات، منها: “متابعة مؤشرات الأداء، وتقييم جودة الخدمات المقدمة، وتحليل البيانات”.
وتعد الضوابط الإدارية عنصرًا هامًا في تعزيز الشفافية والمساءلة في العمل الإداري، فهي تساهم في الحد من ظاهرة الفساد، وضمان استخدام المال العام بكفاءة وفعالية، كما تساعد الرقابة الإدارية على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز ثقتهم بالمؤسسات الحكومية.
سياسات وإجراءات السلامة
لا تعد سياسات وإجراءات السلامة في مكان العمل وثائق جامدة، بل هي أدوات ديناميكية يجب مراجعتها وتحديثها بانتظام لضمان مواكبتها للتغييرات في بيئة العمل واحتياجاته.
فمع تطور طبيعة العمل وظهور مخاطر جديدة، تبرز الحاجة إلى مراجعة سياسات السلامة وتعديلها لتعكس بشكل دقيق المخاطر التي يواجهها العمال. على سبيل المثال، قد يتطلب إدخال معدات جديدة تعديل متطلبات معدات الحماية الشخصية لمهمة محددة، أو قد تحفز حادثة كبيرة في موقع العمل على إجراء تغييرات على الإجراءات المتبعة في عملية عالية المخاطر.
تمثل هذه التعديلات على سياسات وإجراءات السلامة خطوات ضرورية لضمان سلامة العمال وحمايتهم من المخاطر المحتملة. ولذلك، ينصح بإجراء مراجعة نصف سنوية على الأقل لمستندات السلامة للتأكد من ملاءمتها للواقع وتوافقها مع المخاطر التي يواجهها العمال في مختلف مهامهم.
تدريب السلامة من المخاطر
لا شك أن تدريب السلامة من المخاطر ركيزة أساسية في أي برنامج فعال لإدارة الصحة والسلامة المهنية، ويرتكز على تأهيل الموظفين لتحديد المخاطر المحتملة في بيئة العمل، وتقييمها، والسيطرة عليها. ونظرًا لتعذر القضاء على جميع المخاطر بشكل كامل، فإن تمكين الموظفين من مهارات التعامل معها يصبح ضروريًا لضمان سلامتهم وصحتهم.
وينبغي أن يتضمن برنامج التدريب تزويد الموظفين بمعرفة كيفية الإبلاغ عن المخاطر التي يكتشفونها للإدارة المعنية. فمن غير الواقعي أن يتولى قسم الصحة والسلامة والبيئة (EHS) وحده مسؤولية تحديد جميع المخاطر ومعالجتها. وتعد مشاركة القوى العاملة في هذا المجال حاسمة ليس فقط للحد من المخاطر، بل أيضًا لتعزيز ثقافة السلامة والصحة المهنية داخل المنشأة.
تخطيط الاستجابة للطوارئ
حتى مع تطبيق أفضل ممارسات السلامة، تظل حالات الطوارئ أمرًا واردًا لا مفر منه. لذا، فإن وجود خطة استجابة للطوارئ مفصلة وفعّالة يصبح ضروريًا لضمان سلامة الموظفين وفعالية التعامل مع أي حادث طارئ. ويجب أن تراعي خطة الاستجابة للطوارئ خصوصية موقع العمل وظروفه، سواء تم اتباع نموذج عام أو تم كتابة الخطة من الصفر، ينبغي التأكد من سهولة تطبيقها وواقعيتها.
- طرح الأسئلة التالية على كل متطلب يضاف إلى الخطة يساعد في تقييم مدى فاعليته:
- هل يعيق هذا المتطلب تطبيق الخطة بسهولة؟
- هل يحسن هذا المتطلب من فعالية الخطة في التعامل مع الطوارئ؟
- ما مدى احتمالية التزام الفريق بهذا المتطلب؟
إن التركيز على تدريب السلامة من المخاطر وتخطيط الاستجابة للطوارئ يشكل استثمارًا ذكيًا في سلامة وصحة العمال. ما يساهم في تعزيز الإنتاجية وتحسين سمعة المنشأة على المدى الطويل.
تحسين التواصل في مكان العمل
يعد التواصل الفعّال حجر الزاوية في بيئة عمل آمنة وفعّالة، فهو يتيح تبادل المعلومات بوضوح وكفاءة بين الإدارة والموظفين، ما يساهم في تقليل المخاطر وتحسين نتائج عمليات التدقيق والتحقيقات ومبادرات السلامة الأخرى.
وفيما يلي بعض الاستراتيجيات التي تساعد على تعزيز التواصل داخل المنشأة:
- الاستفادة من منصات إدارة الصحة والسلامة والبيئة (EHS): تتيح هذه المنصات الرقمية إمكانية إدارة الحوادث وتتبعها بكفاءة عالية، ما يسهل عملية التواصل والتنسيق بين مختلف الإدارات والأقسام.
- تبسيط هيكل الشركة: يعد تبسيط هيكل الشركة خطوة أساسية لتسهيل التواصل بين الإدارات المختلفة. فكلما كان الهيكل أكثر بساطة، قلت الحواجز البيروقراطية وزادت سرعة تبادل المعلومات.
- نشر نشرات أو رسائل إخبارية دورية: تساعد هذه الوسائل على إبقاء الموظفين على اطلاع دائم بآخر المستجدات والمعلومات المهمة المتعلقة بالسلامة والصحة المهنية. ما يعزز من وعيهم ومسؤوليتهم تجاه سلامتهم وسلامة زملائهم.
- اعتماد أنظمة اتصال لاسلكية أو لاسلكية: بالتأكيد، هذه الأنظمة ضرورية لضمان التواصل الفعّال، خاصة في المواقع الكبيرة التي يصعب فيها التواصل وجهاً لوجه بشكل دائم.
أنظمة أمن المنشأة
بالإضافة إلى تعزيز التواصل، تعد أنظمة أمن المنشأة ضرورية لمنع المخاطر الخارجية مثل: حوادث العنف والسرقة. وفيما يلي بعض الممارسات التي تُساعد على تحسين أمن المنشأة:
- تركيب كاميرات مراقبة: بالطبع كاميرات المراقبة هي عيون ناظرة تراقب تحركات الأفراد وتسجل الأحداث على مدار الساعة، ما يساعد على ردع الجرائم بشكل كبير. كما تسهل كاميرات المراقبة الاستجابة السريعة لأي حوادث أمنية قد تقع، وهو ما يتيح اتخاذ الإجراءات اللازمة بشكل فوري.
- تنفيذ نظام تسجيل دخول بالبطاقة التعريفية: يتيح نظام تسجيل الدخول بالبطاقة التعريفية التحكم بشكل دقيق في دخول الأشخاص إلى المنشأة، وهو ما يساهم في التأكد من هوية كل فرد يدخلها. ويعد هذا النظام ضروريًا لضمان دخول الأشخاص المخولين فقط، ومنع أي متسللين أو أشخاص غير مرغوب في وجودهم.
- اشتراط تسجيل المتعاقدين: يساعد تسجيل حركة المتعاقدين داخل المنشأة على تتبعهم بشكل دقيق، وهو ما يتيح تحديد أماكن وجودهم في أي وقت، ومراقبة تحركاتهم. ويعد هذا الأمر ضروريًا لضمان أمن المنشأة، خاصة في حال حدوث أي حوادث أو مخالفات.
- تقييد الوصول إلى المناطق الخطرة: تشكل بعض المناطق داخل المنشأة مخاطر عالية على الأفراد، مثل: أماكن وجود الآلات أو المواد الكيميائية. ولذلك، من الضروري تقييد الوصول إلى هذه المناطق، ومنع دخول أي شخص غير مصرح له بدخولها. ويساهم هذا الإجراء في الحد من وقوع الحوادث بشكل كبير.
- اشتراط تصاريح العمل للمناطق عالية الخطورة: يجب على الموظفين الذين يعملون في المناطق عالية الخطورة، مثل: مواقع البناء أو أماكن التعامل مع المواد الكيميائية، الحصول على تصاريح عمل خاصة تؤكد قدرتهم على العمل في هذه المناطق بأمان. ويساعد هذا الإجراء على ضمان سلامة الموظفين ومنع وقوع أي حوادث ناتجة عن عدم خبرتهم أو عدم قدرتهم على التعامل مع المخاطر الموجودة في هذه المناطق.
من المهم التأكيد على أن الضوابط الإدارية تعد الأقل فعالية في السيطرة على مخاطر السلامة مقارنة بالضوابط الهندسية التي تركز على إزالة المخاطر من المصدر. لذا، يجب الحرص على تطبيق جميع أنواع الضوابط المتاحة لضمان بيئة عمل آمنة وصحية للجميع.



