يبدأ اختيار القيادات الكفؤة من وضع تعريف مؤسسي دقيق لمفهوم القيادة الناجحة؛ إذ يستحيل بناء منظومة إدارية متماسكة دون معايير محددة لتقييم كفاءة القادة.
وبناءً على ذلك، يظل الاعتماد الصرف على الأرقام والنتائج المادية غير كافٍ لقياس قدرة القائد على إدارة فرق العمل ومواجهة التحديات التشغيلية.
وبحسب ما أوردته مجلة «فورتشن» فإن غياب معيار موحد للقيادة يُشكل تحديًا جوهريًا أمام المؤسسات الراغبة في بناء صف ثانٍ من القادة.
وعلى الرغم من ضخ الموارد المالية في برامج التدريب والتطوير، تظل الحاجة ملحة لصياغة مؤشرات قياس واضحة تحدد السلوكيات والمهارات المطلوبة في كل مستوى إداري.
ومن هذا المنطلق، يتطلب الانتقاء الناجح إرساء منظومة قياسية متكاملة تتجاوز النتائج النهائية لتشمل الجدارات والسلوكيات اليومية للقائد.
وتسهم هذه المنظومة في توحيد الرؤية المؤسسية لمفهوم القيادة. متجاوزةً التقديرات الفردية والانطباعات الشخصية بين الإدارات المختلفة.
إطار واضح لتحديد جدارات القادة
يشكل إطار الجدارات الثلاثي مدخلًا منهجيًا لبناء منظومة قيادية متكاملة. عبر تصنيف الكفاءات إلى ثلاثة محاور رئيسة تضم الجدارات الجوهرية، والوظيفية، والقيادية السلوكية.
ويسهم هذا التوزيع الدقيق في إرساء معايير واضحة تحدد المتطلبات الأساسية لكل قائد وفقًا لطبيعة مهامه ومسؤولياته التشغيلية.
وفي هذا الصدد، تتجلى أهمية «قاموس السلوكيات» كأداة تحويلية تنقل المفاهيم القيادية من أُطرها النظرية إلى ممارسات عملية قابلة للملاحظة والقياس.
ومن ثمّ يتجاوز تقييم القادة الانطباعات الشخصية إلى استنادٍ صلب على سلوكيات ملموسة يمكن متابعتها وتقويمها بدرجة عالية من الدقة.
علاوة على ذلك تحدد هذه الآلية الأدوار الفعلية المناط بالقائد تنفيذها لإثبات جدارته الإدارية. فبدلًا من الاكتفاء بالأوصاف العامة كإتقان التواصل أو الإدارة، يتيح هذا النهج رصد السلوكيات المباشرة المعبرة عن تلك المهارات. ما يدعم عمليات التقييم المؤسسي ويرسم مسارات تطوير قيادي أكثر فاعلية.
التدرج القيادي ودعم التعاقب الوظيفي
وتتطلب عملية بناء القادة أيضًا وجود مصفوفة للتدرج القيادي تحدد المهارات والمعايير المطلوبة في كل مستوى إداري. بدءًا من قائد الفريق وصولًا إلى المدير التنفيذي.
ويساعد هذا التدرج على توضيح الفروق بين المسؤوليات القيادية في المراحل المختلفة. بما يمنح المؤسسة تصورًا أكثر تنظيمًا لمسار تطور القادة.
وفي السياق ذاته، يرتبط تحديد المعايير لكل مستوى إداري بقدرة المؤسسة على إعداد القيادات للمراحل التالية من مسيرتهم المهنية.
كما يوفر ذلك أساسًا لدعم الإحلال والتعاقب القيادي. من خلال معرفة المهارات التي يحتاج إليها الموظف للانتقال إلى مستوى قيادي أعلى. بدلًا من الاعتماد على التقديرات غير المنظمة.
وبالتالي، فإن وجود معايير واضحة للتدرج القيادي يساعد على جعل التطوير أكثر ارتباطًا باحتياجات المؤسسة الفعلية.
في حين يتيح توجيه التدريب نحو المهارات والسلوكيات التي يحتاج إليها كل مستوى قيادي. بدلًا من تقديم برامج موحدة لا تراعي اختلاف الأدوار والمسؤوليات.
نموذج الجدارات أساس لحوكمة اختيار القيادات
ولا يقتصر بناء نموذج جدارات قيادية واضح على استخدامه كأداة لتقييم القادة، بل يمثل أساسًا يمكن الاستناد إليه في حوكمة عملية اختيار القيادات وتوجيه برامج التدريب والتطوير.
وعندما تكون المعايير محددة، يصبح من الأسهل للمؤسسة مقارنة القدرات المطلوبة بما يمتلكه القادة والمرشحون للمناصب القيادية.
كما يساعد النموذج على توفير فهم مشترك لمتطلبات القيادة داخل المؤسسة؛ بحيث يتحرك القادة وفق معايير واضحة وأهداف متفق عليها.
ومن ثم، تصبح عملية بناء القيادات أكثر اتساقًا مع احتياجات المؤسسة. ويصبح تطوير القائد مرتبطًا بجدارات وسلوكيات يمكن تحديدها وملاحظتها وقياسها.
وفي النهاية لا يرتبط اختيار قائد ناجح بالنتائج التي يحققها فقط، بل بمدى امتلاكه للجدارات والسلوكيات المناسبة للمستوى القيادي الذي يشغله.
ولذلك يبقى السؤال الأساسي أمام المؤسسات: هل تمتلك نموذجًا معتمدًا للجدارات يقيس كفاءة القادة بوضوح، أم أن تقييم القيادة لا يزال يعتمد بصورة أساسية على النتائج والأرقام؟


