لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي مجرد أداة حصرية للمهام التقنية المعقدة، بل بات جزءًا أصيلًا من تفاصيل العمل اليومي؛ بدءًا من إدارة الاجتماعات والتنظيم اللوجستي، وصولًا إلى المراسلات الرسمية.
ومع هذا التغلغل المتسارع داخل البيئات المؤسسية تزايدت الحاجة الماسة لسن أطر وضوابط واضحة تحكم آليات استخدامه. لا سيما في الجوانب المتعلقة بالتواصل المباشر، وتوطيد العلاقات المهنية، وضمان حماية البيانات الشخصية.
وفي هذا الصدد، أوردت شبكة «CNBC Make It» رؤى لخبراء في بيئة العمل والعلاقات المهنية والإتيكيت الإداري، حذروا فيها من أن العشوائية في غياب ضوابط الاستخدام قد تربك قنوات التواصل وتقوض مستويات الثقة بين زملاء العمل.
وما يؤكد هذا الطرح، أن المعطيات الإحصائية تشير إلى أن 37% من الموظفين يستعينون بأدوات الذكاء الاصطناعي لتنفيذ مهام تتطلب في جوهرها ذكاءً عاطفيًا. في حين أقر نجو 35% باستخدامها لصياغة أو تعديل رسائل ذات طبيعة حساسة في محيط العمل.
وبناءً على ذلك، باتت قواعد التعاطي مع هذه التقنيات المتقدمة جزءًا لا يتجزأ من منظومة السلوك المهني الحديث.
لذلك يوصي الخبراء بضرورة تبني ممارسات متوازنة تكفل توظيف قدرات الذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية. مع صون الخصوصية، والحفاظ على عمق التواصل الإنساني والروح المؤسسية داخل بيئات العمل.

1. اطلب الإذن قبل تسجيل الاجتماعات
تعد عملية تسجيل الاجتماعات وتفريغها نصيًا عبر أدوات الذكاء الاصطناعي من أكثر الممارسات التقنية التي تستوجب الاستئذان والحصول على موافقة مسبقة من جميع المشاركين.
وعلى الرغم من النجاعة التي تقدمها هذه التطبيقات في تدوين الملاحظات واختصار الوقت. إلا أن تفعيلها دون إخطار الحاضرين قد يولّد شعورًا بالارتياب. ويشعر البعض بأن مداولاتهم وأحاديثهم تخضع للرقابة.
وفي هذا السياق، يشدد خبراء الإتيكيت المهني على أن طلب الإذن قبل تشغيل برامج التسجيل أو التدوين الآلي يعد ركيزة جوهرية لترسيخ قواعد الاحترام المتبادل بين أطراف العمل.
وتتحقق هذه الممارسة السليمة عبر إعلام المشاركين بوجود الأداة الرقمية مع مطلع الاجتماع، وتبيان الغرض من استخدامها. ثم الحصول على موافقتهم الصريحة قبل الشروع في التوثيق.
علاوة على ذلك، فإن إتاحة خيار التسجيل لا تعني ملاءمته لكل أنماط اللقاءات المؤسسية. إذ قد يلقي التوثيق المستمر بظلاله على عفوية النقاشات وسلاسة تبادل الأفكار.
وبناءً على ذلك، يصبح التمييز بين الاجتماعات التي تستدعي التوثيق وتلك التي تتطلب مرونة حوارية خطوة حاسمة، تجنبًا لإقحام أبعاد أو تفاصيل شخصية لا ترتبط بصُلب المهام الوظيفية.
2. لا تفوض المهام الإنسانية إلى الذكاء الاصطناعي
تحتاج المراسلات التي تنطوي على شحنات عاطفية، كالاعتذار أو الإقرار بالخطأ، إلى قدر عالٍ من اللباقة والحساسية.
ومن هذا المنطلق يحذر الخبراء من إسناد هذه المهام التواصلية بالكامل لأدوات الذكاء الاصطناعي. فبالرغم من السلامة اللغوية التي قد تتسم بها الرسائل المؤتمتة. إلا أنها كثيرًا ما تفتقر إلى النبرة الشخصية والصدق الإنساني اللذين يمثلان جوهر التواصل الفعال بين الأفراد.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة نُشرت في يوليو 2025 عن أن القيادات الإدارية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي بدرجات متوسطة إلى مرتفعة في صياغة البريد الإلكتروني. ينظر إليها من قِبل مرؤوسيها باعتبارها أقل أصالة وأدنى جدارة بالثقة.
وبناءً على ذلك، فإن المبالغة في الاستعانة بهذه الأنظمة المتقدمة ضمن المراسلات الذاتية قد تنعكس سلبًا على الانطباع المهني والصورة المؤسسية للموظف.
وبالإضافة إلى ذلك، يوصي خبراء السلوك الإداري بإخضاع جميع النصوص المصوغة ذكائيًا للمراجعة الدقيقة. مع إعادة إثنائها بصوت الموظف للحرص على إضفاء اللمسة الإنسانية اللازمة.
وتزداد أهمية هذه الخطوة كلما ارتبط النص بمواقف تتطلب تحمل المسؤولية، أو إبداء الامتنان، أو معالجة ملفات شائكة. كونه أدعى لأن يُعبر عن صاحبه بشكل مباشر ودون وسائط رقمية.
3. لا تستخدم الذكاء الاصطناعي بدلًا من زملائك
يُعد طلب المشورة من الزملاء في المواقف المهنية الحساسة جزءًا من العلاقات الطبيعية داخل بيئة العمل. ولذلك يحذر الخبراء من الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي بدلًا من الاستفادة من خبرة الأشخاص المحيطين بالموظف.
وقد يكون استخدام إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي كمرجع مباشر أثناء مناقشة الراتب أو تقييم الأداء أو التعامل مع المدير سببًا في توليد انطباع سلبي.
والإشارة إلى أن أداة تقنية هي التي حددت طريقة التعامل مع موقف مهني قد توحي بعدم تقدير خبرة الطرف الآخر أو عدم الرغبة في إجراء حوار حقيقي معه.
وعلى العكس، يمكن للاستعانة بزميل موثوق به أن توفر منظورًا أكثر ارتباطًا بظروف الموقف. فالزميل يعرف طبيعة بيئة العمل والعلاقات القائمة. ويمكنه طرح أسئلة مباشرة والتنبيه إلى نقاط قد لا تظهر عند الحصول على إجابة آلية.
كما يستطيع تقديم رأي صريح حتى عندما لا يتفق مع وجهة نظر الموظف.
4. اتفقوا على قواعد مشتركة
أدى انتشار الذكاء الاصطناعي إلى ظهور مساحة جديدة من الغموض داخل بيئة العمل. إذ قد لا يعرف الموظفون دائمًا متى يستخدم زملاؤهم هذه الأدوات أو الحدود المقبولة للاستعانة بها.
ولهذا، يرى الخبراء أن وضع قواعد واضحة داخل المؤسسات أصبح ضروريًا لتقليل سوء الفهم والخلافات.
وينبغي أن تحدد هذه القواعد الحالات التي يمكن فيها استخدام الذكاء الاصطناعي، والحالات التي يتعين فيها الحصول على موافقة مسبقة. خصوصًا عند تسجيل الاجتماعات أو التعامل مع البيانات الشخصية أو إعداد المراسلات الحساسة.
كما يمكن للمؤسسات عقد اجتماعات دورية لمناقشة استخدام الذكاء الاصطناعي، وطرح التحديات التي يواجهها الموظفون، وتحديد الممارسات المقبولة.
ويساعد هذا النهج على توحيد المعايير داخل المؤسسة، بدلًا من ترك كل موظف يحدد قواعد الاستخدام وفق تقديره الشخصي.
5. حافظ على صوتك الشخصي
لا تعني الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي التنازل عن الطابع الشخصي في التواصل المهني.
لذلك يوصي الخبراء بتأطير استخدام هذه التقنيات في المهام التي تحقق قيمة مضافة ملموسة، كترتيب الأفكار، وصقل الصياغات، وأتمتة المهام الروتينية المتكررة. مع إقرار مبدأ المراجعة والتدقيق الإنساني للمخرجات قبل اعتمادها أو مشاركتها.
وفي هذا الصدد، تتبدى أهمية الحفاظ على بصمة الموظف الخاصة عند توجيه المراسلات للزملاء أو الإدارة. لا سيما إذا كانت تتناول سياقات دقيقة أو مواقف حساسة.
ومن ثمّ، يتوجب أن تجسد الكلمات الموقف المباشر لصاحبها؛ تجنبًا لظهور الرسائل بقوالب جافة ومحايدة تفقد قيمتها التواصلية وتدويل مضمونها كأنها نصوص نمطية موجهة للجميع.
وفي النهاية، لا يهدف إتيكيت التعاطي مع الذكاء الاصطناعي إلى حظر التقنيات المتقدمة في بيئات العمل. بل يسعى لإرساء ضوابط متوازنة تصون مبادئ الثقة والخصوصية والاحترام المتبادل.
ومع التسارع المتواصل لهذه الأدوات الرقمية، يظل التوافق المؤسسي على أطر واضحة، وإخضاع المحتوى للمراجعة، وصيانة التواصل الإنساني، الركائز الأساسية لتعظيم الفائدة التقنية دون المساس بصلابة العلاقات المهنية.


