كثيرون يعتقدون أن الإستراتيجية تعني وضع خطة محكمة أو قائمة طويلة من الخطوات التنفيذية، لكن سيث غودين يرى الأمر بصورة مختلفة تمامًا. فالإستراتيجية، في جوهرها، ليست خطة؛ بل سلسلة من الخيارات الصعبة التي تحدد المستقبل الذي نريد بناءه.
هذه كانت الرسالة الأساسية التي خرجت بها الجلسة الحوارية المباشرة التي استضافتها منصة «MovingWorlds»، وشارك فيها سيث غودين؛ خبير التسويق والمفكر في تصميم الأنظمة. حيث ناقش مع اثنين من رواد الأعمال الاجتماعيين أبرز التحديات التي تواجههم في توسيع أثر مشروعاتهم، مقدّمًا مجموعة من الأفكار التي تصلح لأي مؤسسة اجتماعية تسعى إلى النمو دون التفريط في رسالتها.
اختر عميلك.. تحدد مستقبلك
ويرى “غودين” أن أول وأهم قرار إستراتيجي هو تحديد العميل الذي تريد خدمته؛ لأن هذا الاختيار ينعكس على كل شيء لاحقًا؛ من أسلوب التسويق والتسعير، إلى طبيعة المنتج، وحتى حجم التأثير الذي يمكن تحقيقه.
فمحاولة إرضاء الجميع ليست إستراتيجية؛ بل طريق مضمون لفقدان الهوية. أما التركيز على شريحة محددة، فيمنح المؤسسة وضوحًا يمكن البناء عليه.
لا تدخل سباق الأسعار
وتواجه المؤسسات الاجتماعية ضغوطًا دائمة لتقديم منتجاتها بأقل سعر ممكن، إلا أن “غودين” يحذر من هذا المسار؛ لأنه غالبًا ما يقود إلى التضحية بالرسالة أو خسارة المنافسة أمام جهات لا تتحمل التزامات اجتماعية أو بيئية مماثلة.
ويرى أن القيمة الحقيقية لا تُبنى عبر السعر؛ بل من خلال القصة التي ترويها المؤسسة، وشفافيتها، والمبادئ التي تتمسك بها.
ويضرب مثالًا بشركات مثل «باتاغونيا» و«آبل»، اللتين لم تحققا النجاح لأنهما الأرخص؛ بل لأن العملاء يشترون القيم والرواية التي تمثلها علامتاهما التجارية.
الابتكار مهم.. لكن الانضباط هو ما يصنع النمو
ويشجع “غودين” المؤسسات على التجريب واستكشاف أفكار جديدة. لكنه يلفت إلى أن النمو الحقيقي يحتاج إلى انضباط واستمرارية أكثر من حاجته إلى التجديد المستمر.
لذلك، فإن التجارب الجديدة ينبغي ألا تأتي على حساب النشاط الأساسي للمؤسسة أو تشتت مواردها؛ بل يجب الفصل بين فريق يركز على التوسع المنظم، وآخر يتولى الابتكار ضمن حدود واضحة.
أما إذا لم تكن الموارد تسمح بالأمرين معًا؛ فإن الأولوية يجب أن تكون لتثبيت النمو قبل البحث عن أفكار جديدة.
الإستراتيجية تعني التوقف عن أشياء كثيرة
ومن أكثر الأفكار التي يكررها “غودين” أن الإستراتيجية ليست قائمة بما يجب فعله؛ بل قائمة بما يجب التوقف عن فعله.
فكلما اتسعت دائرة الأنشطة، تضاءلت القدرة على التميز. ولهذا ينبغي على كل مؤسسة أن تسأل نفسها: ما الشيء الوحيد الذي نريد أن يعرفنا الناس به؟
إذا لم تكن الإجابة واضحة، فهذا يعني أن الخيارات الإستراتيجية لم تحسم بعد.
لا تبيع المنتج.. بل المكانة
حين حاولت إحدى رائدات الأعمال المشاركات في الجلسة إقناع الشركات بتبني ممارسات شراء أكثر مسؤولية اجتماعيًا، نصحها غودين بتغيير زاوية التفكير.
فالناس لا يشترون المنتجات وحدها، بل يشترون المكانة التي تمنحها لهم.
وبدلًا من مطالبة الشركات بالالتزام بدافع المسؤولية، يمكن تحويل المشاركة إلى رمز للريادة والتميز. بحيث يصبح الانضمام إلى المبادرة مصدرًا للفخر، ويشعر الآخرون بالخوف من البقاء خارجها.
التعاطف العملي هو السلاح الأقوى
قد تكون رسالة المؤسسة نبيلة، لكن العملاء لن يهتموا بها لمجرد ذلك.
ويؤكد “غودين” أن النجاح يبدأ بفهم ما يشغل العميل هو، وليس ما يشغل المؤسسة.
فالسؤال الأهم ليس: ماذا نريد أن نقول؟ بل: ما القصة التي يحتاج العميل إلى روايتها لمديره أو لمجلس الإدارة أو لمجتمعه؟
فعندما يصبح المنتج جزءًا من تلك القصة، يتحول العميل إلى داعم حقيقي للمشروع.
الإستراتيجية.. سلسلة من القرارات الصعبة
الرسالة التي يخلص إليها “غودين” هي أن بناء مؤسسة اجتماعية مؤثرة لا يعتمد على كثرة الخطط أو الاجتماعات؛ بل على اتخاذ قرارات واضحة بشأن من نخدم، وما الذي نتوقف عن فعله، وكيف نخلق قيمة تجعل الآخرين يرغبون في الانضمام إلى رسالتنا.
فالإستراتيجية ليست وثيقة تكتب ثم تحفظ في الأدراج، وإنما ممارسة يومية تقوم على الاختيار المستمر، بهدف بناء مستقبل يستحق أن نبذل من أجله الجهد.


