على مدار العام الماضي وجد قادة المسؤولية الاجتماعية للشركات والاستدامة أنفسهم في مواجهة ضغوط متزايدة.
وتوقفت برامج، وجُمّدت موازنات، وتأرجح الرأي العام بين الهجوم على معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) وتصاعد الحاجة الملحة إلى مواجهة تغير المناخ.
وبينما اختار كثير من قادة المسؤولية الاجتماعية الانتظار، مترددين في المضي قدمًا دون توجيهات واضحة من الإدارة العليا، أصيب آخرون بالشلل بفعل المخاوف المتزايدة. لكن إذا كنت لا تزال تنتظر إشارة للتحرك حان وقتها.
الاستدامة تتوسع
الاستدامة لا تختفي، بل تتوسع بهدوء. فعلى الرغم من الضجيج السياسي والتصريحات التي تتحدث عن انتهاء عصر ESG، تقدم البيانات الأخيرة صورة مختلفة تمامًا. الشركات تزيد استثماراتها في الاستدامة والأثر الاجتماعي؛ لأنها ترى في ذلك منفعة مباشرة للأعمال.
وفي عام 2025، حافظت 87% من الشركات الأمريكية على موازنات الاستدامة أو زادتها، بينما ترى 88% من الشركات أن الاستدامة محرك طويل الأجل للقيمة، وتعمل أكثر من 80% منها على قياس العائد على الاستثمار.
وفي المقابل، لم تخفض موازنات الاستدامة سوى 2% من المؤسسات، بينما رفعتها أكثر من 40%. كما يخطط 89% من المسؤولين التنفيذيين لزيادة موازنات الاستدامة، ويعتبرها نحو ثلثهم الأولوية الأولى.
وتشير بيانات أخرى إلى أن 85% من الشركات رفعت استثماراتها في الاستدامة، مقابل 75% في العام السابق.
بينما تحقق المنتجات التي تحمل سمات الاستدامة إيرادات أعلى بنسبة تتراوح بين 6% و25%، في الوقت الذي ترفع فيه 37% من الشركات طموحاتها المناخية.
عائد الاستثمار
لا تكتفي الشركات بالإنفاق على الاستدامة، بل بدأت ترى عوائد ملموسة من هذه الاستثمارات.
وفي تقرير EcoVadis الصادر في يوليو 2025، قال 65% من المسؤولين التنفيذيين إن استدامة سلاسل الإمداد تمنح شركاتهم ميزة تنافسية، فيما يرى 52% من المسؤولين الماليين أن الاستدامة تدعم النمو بصورة مباشرة. وقال 96% من المستثمرين إن تقارير الاستدامة تعزز الأداء المالي.
والأمر نفسه ينطبق على الإنفاق المرتبط بالأثر الاجتماعي، وليس الاستدامة البيئية وحدها. إذ أصبحت البرامج التي تركز على الهدف المؤسسي، والعدالة، ومشاركة الموظفين جزءًا متزايد الأهمية من إستراتيجية الشركات.
ووفق تقرير «Benevity» حول حالة الهدف المؤسسي، سجلت الشركات التي حققت أعلى معدلات مشاركة الموظفين في برامج التطوع والتبرعات معدل دوران للموظفين أقل بنسبة 57%.
كما وجدت دراسة «غالوب» لعام 2024 أن الموظفين الذين يرون أن هدف شركتهم يتوافق مع أهدافهم الشخصية أكثر عرضة بـ4.5 مرة للمشاركة الفعالة في العمل، فيما يرتبط ارتفاع مشاركة الموظفين بزيادة الربحية بنسبة 21%.
الأثر الاجتماعي
وتتزايد أهمية الأثر الاجتماعي كذلك في قرارات الموظفين والعملاء والمشترين من الشركات.
وفي دراسة LinkedIn لعام 2025 حول قوة الغاية المؤسسية، قال 68% من الموظفين إنهم قد يتركون شركة لا تعطي الأولوية للهدف، بينما يرى 76% من مرشحي الجيل Z أن التزام الشركة بالأثر الاجتماعي عامل حاسم عند تقييم عروض العمل.
ووفق تقرير «Giving in Numbers» الصادر عن CECP، ارتفع متوسط إجمالي تبرعات الشركات 14% على أساس سنوي، في حين زاد متوسط التبرعات غير النقدية، مثل التطوع القائم على المهارات، بنسبة 18%.
ولا يقتصر الأمر على الموظفين. حيث أظهر مسح عالمي أجرته NielsenIQ في 2025 أن 73% من المستهلكين يفضلون شراء منتجات من شركات تدعم العدالة الاجتماعية والمساواة، بينما قال 64% إنهم قاطعوا علامة تجارية بسبب عدم توافق قيمها مع قيمهم.
وبين المشترين من الشركات، قال 83% إن تنوع الموردين ومصادر التوريد الأخلاقية يمثلان عاملين في قرارات الشراء والتعاقد.
هذه ليست «رأسمالية واعية» بالمعنى الذي يستخدمه منتقدوها، بل إستراتيجية أعمال ذكية. سواء كان الأمر يتعلق بتطوير الموظفين من خلال التطوع القائم على المهارات أو إشراك الموردين من الفئات الأقل تمثيلًا لدفع نمو أكثر عدالة، فإن هذه البرامج تعزز قوة العلامة التجارية، والاحتفاظ بالمواهب، والتميز في السوق.
عصر «الصمت الأخضر»
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يبدو أن العالم أصبح أكثر هدوءًا، على الأقل فيما يتعلق بـESG؟
مرحبًا بكم في عصر «الصمت الأخضر» أو Greenhushing. أكثر من 30% من الشركات تتراجع عن الترويج لجهودها في مجال الاستدامة، ليس لأنها فقدت اهتمامها، وإنما بسبب التدقيق المتزايد والمخاوف السياسية.
وقد يؤدي اختيار العبارة الخطأ إلى تعرض الشركة لهجوم بسبب مواقفها من ESG. لكن هذا ليس تراجعًا، بل إعادة ضبط.
وكما كتب الخبير في مجال الاستدامة تيم موهين مؤخرًا، فإننا نقترب من نهاية «ركود الاستدامة». والقادة الأفضل يخرجون من هذه المرحلة بتركيز أكثر دقة، ومؤشرات أوضح، وارتباط أقوى بأهداف الأعمال.
كما أنهم يستخدمون لغة أكثر تحديدًا، مثل التكيف المناخي، وتخفيف المخاطر، والمرونة، وغيرها. لكن التسمية ليست هي الأهم؛ الأهم هو إدراك أن الاستثمار في الإنسان والكوكب يعود بالنفع على الأرباح على المدى الطويل.
وكما يقول بيير فرانسوا تالر؛ الرئيس التنفيذي المشارك لشركة EcoVadis: «حتى مع احتدام الجدل حول استدامة الأعمال، يركز المسؤولون التنفيذيون على الحقيقة: الاستدامة هي ما يحافظ على استمرارية سلاسل الإمداد وعلى العملاء».
لحظة القادة
ماذا يعني ذلك لقادة المسؤولية الاجتماعية والأثر الاجتماعي للشركات؟ يعني أن الفرصة أمامكم الآن.
والرؤساء التنفيذيون والمديرون الماليون يبحثون بالفعل عن مبادرات في مجال الاستدامة والمساواة يمكنها تحقيق نتائج ملموسة. وهم يطرحون أسئلة عملية: أين تكمن المخاطر؟ أين يمكننا توفير المال؟ كيف يمكننا تحقيق النمو بطريقة مختلفة؟ وكيف نبني نماذج أعمال شاملة ومستدامة للمستقبل؟
والقادة الذين ينجحون في هذه المرحلة لن يكونوا أولئك الذين انتظروا، بل الذين بنوا برامج تدمج الأثر الاجتماعي في عمليات الأعمال، وأثبتوا العائد على الاستثمار من خلال ربط التطوع والمبادرات القائمة على المهارات بالتعلم والاحتفاظ بالموظفين والابتكار.
كما يربطون الاستدامة والمشتريات بنماذج أعمال أكثر شمولًا، ويصممون إستراتيجيات ترتكز على المرونة وليس مجرد الامتثال.
إذا مللت من انتظار الإذن للقيادة، فهذه هي إشارتك: أثبت جدوى الفكرة تجاريًا، ويتبعك قطاع الأعمال. حان وقت بناء المرحلة المقبلة. وحان وقت بناء أعمال أفضل.


