في عالم الأعمال الرقمية، قد يبدو امتلاك المعرفة التقنية العميقة كافياً للنجاح، لكن تجربة بسيطة مع ثلاثة مواقع لتعليم العزف على الجيتار تكشف أن الأمر أكبر من ذلك بكثير.
كانت إحدى صديقاتي تبحث عن دروس للعزف على الجيتار عبر الإنترنت لتقديمها هدية لزوجها. وهي، إلى جانب خبرتها الطويلة في مجال الحاسوب وإدارتها لميزانيات بملايين الدولارات، متسوقة دقيقة للغاية وتعتاد البحث جيدًا قبل اتخاذ أي قرار شراء.
أخبرتني لاحقًا بالتفاصيل التي اتبعتها لاختيار الموقع المناسب، وأدركت أن تجربتها تحمل درسًا مهمًا لأي رائد أعمال يدير مشروعاً يعتمد على الإنترنت.
كانت أمامها 3 خيارات تبدو واعدة، وقررت اختبارها من خلال 3 أمور رئيسة: المعرفة التقنية، وسرعة الاستجابة للعملاء، والخبرة في المجال.
اتصلت بالمواقع الثلاثة في نحو التاسعة صباحًا.
في الموقع الأول، ردت خدمة للرد على المكالمات وسجلت رسالتها، وأخبرتها بأن أحدًا سيتواصل معها لاحقًا.
أما الموقع الثاني، فردت إحدى العاملات فيه. وعندما سألتها الصديقة: «هل تعمل دروسكم على أجهزة آيباد؟ وهل موقعكم متوافق بالكامل مع HTML5، أم أن بعض أجزائه يتطلب استخدام Flash؟»، لم تكن الموظفة تعرف الإجابة.
كان واضحًا أنها سألت أشخاصًا آخرين في المكان عما إذا كان أحد يعرف الإجابة، لكن لم يكن لدى أي منهم إجابة أيضًا. وفي النهاية، أخبروها بأنهم سيتصلون بها لاحقًا بعد معرفة المعلومات المطلوبة.
من يفهم احتياجات العميل؟
عندما اتصلت بالموقع الثالث، رد أحد مالكيه على الهاتف بنفسه.
استطاع الإجابة عن سؤالها فورًا، ثم واصلا الحديث. كان شرحه لطريقة تقديم الدروس منطقيًا وجذابًا؛ إذ أوضح أن الموقع يضم 14 معلمًا، لكل منهم أسلوب مختلف في التدريس، بما في ذلك للمبتدئين في تعلم العزف على الجيتار.
وفي النهاية، تحدثا لنحو نصف ساعة عن مكبرات الصوت، وكان المالك يتمتع بمعرفة جيدة جدًا بهذا الجانب من المجال.
وهنا تكمن النقطة المهمة.
كانت صديقتي قد صاغت سؤالها الأول بطريقة لا يستطيع الإجابة عنها إلا شخص لديه مستوى جيد من المعرفة التقنية.
لم يكن السؤال مجرد استفسار عن توافق الموقع مع الأجهزة.
لقد كان اختبارًا تقنيًا متعمدًا للتأكد من أن أصحاب الموقع يمتلكون المعرفة اللازمة للتعامل مع المشكلات التقنية التي قد تواجه العملاء. لكنها كانت تختبر شيئًا آخر أيضًا: مدى سرعة استجابة الشركة لعملائها.
فقد اتصلت في التاسعة صباحًا في يوم عمل. وإذا لم يكن الشخص الذي تلقى رسالتها يعرف الإجابة فورًا، فكم من الوقت سيحتاج إلى العودة إليها؟
الشركة التي تضع العميل في مقدمة أولوياتها كان يفترض أن تتصل بها سريعًا بعد ترك الرسالة، حتى لو لم تكن الإجابة متاحة في اللحظة نفسها.
أما الاختبار الثالث، فكان يتعلق بمدى معرفة الشركة بمجال عملها.
كانت مستعدة لطرح أسئلة عن طبيعة الدروس وأنواع المدرسين إذا نجحت الشركة أولًا في الاختبار التقني. وكانت تخطط أيضاً للحديث عن مكبرات الصوت، وهو مجال لديها معرفة جيدة به، بعدما أجرت بحثًا مكثفًا قبل شراء مكبر الصوت لزوجها.
من الذي فاز؟
كما يمكنك أن تتوقع، اختارت الموقع الذي أظهر صاحبه سرعة الاستجابة والمعرفة.
لكنها لم تكن قد انتهت من اختبارها.
فقد طرحت عليه سؤالًا عن أحد المواقع المنافسة.
كان بإمكانه بسهولة انتقاد المنافس والتحدث عن نقاط ضعفه، لكنه لم يفعل.
قال إن الموقع المنافس خيار جيد، ثم أشار إلى أن الملاحظة السلبية الوحيدة التي سمعها عنه تتعلق بوجود بعض التفاوت في جودة التسجيلات بين المدرسين.
بعد ذلك، أوضح أن شركته تسجل جميع الدروس في الاستوديو الخاص بها، بهدف الحفاظ على مستوى ثابت من الجودة.
ماذا كانت صديقتي تختبر بهذا السؤال؟
كانت تختبر مدى احترافية الشركة في التعامل مع منافسيها.
فطريقة حديثك عن المنافسين يمكن أن تكون مؤشرًا مهمًا على مستوى احترافيتك.
لو كان صاحب الموقع قد هاجم المنافس أو قلل من شأنه، لكانت أقل ميلًا إلى التعامل معه.
لكنه تعامل مع السؤال بصورة جيدة، وأشار إلى الملاحظة السلبية الوحيدة التي كانت قد قرأتها بالفعل في تقييمات الموقع المنافس.
ثم حوّل هذه الملاحظة إلى فرصة للحديث عن إحدى نقاط قوة شركته: الحرص على توحيد جودة التسجيلات من خلال إنتاجها في الاستوديو الخاص بها.
وهذه نقطة تستحق الانتباه إليها من جانب أي رائد أعمال.
فالعميل لا يختبر منتجك أو خدمتك فقط، بل يختبر أيضًا طريقة تفكيرك، وسرعة استجابتك، ومعرفتك بمجالك، وطريقة تعاملك مع الآخرين.
وفي النهاية، اختارت صديقتي الشركة التي اجتازت اختبارها التقني، وأظهرت في الوقت نفسه مجموعة من ممارسات الأعمال الجيدة.
وساعدها على اتخاذ القرار أيضاً أن الشركة كانت تقدم تجربة مجانية لمدة 7 أيام وضمانًا لاسترداد الأموال لمدة 60 يومًا.
الخلاصة
ممارسات الأعمال الجيدة ضرورية لأي رائد أعمال، سواء كان نشاطه يعتمد على الإنترنت أو يعمل من خلال نموذج تقليدي.
لكن إذا كان نجاح شركتك يعتمد بدرجة كبيرة على قدراتها الرقمية والتقنية، فلا يكفي أن تكون لديك «مصداقية تقنية» أو معرفة عميقة بالتكنولوجيا.
يجب أن تكون هذه المعرفة مصحوبة بسرعة الاستجابة، وفهم احتياجات العملاء، والإلمام الحقيقي بالسوق، والقدرة على التواصل باحترافية، واحترام المنافسين.
فالعميل الذي يتمتع بالمعرفة والخبرة لن يختبر منتجك فقط؛ بل سيختبر الشركة بأكملها قبل أن يقرر منحك أمواله وثقته.
وفي عالم الأعمال الرقمية، قد تخسر عميلًا ليس لأن منتجك سيئ، بل لأنك لم تُظهر له أنك تفهم ما يحتاج إليه.


