سعدتُ مؤخرًا بتلبية دعوة كريمة من مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة في المملكة العربية السعودية؛ لإلقاء محاضرة بعنوان “إضاءات ريادية في قطاع الطاقة”.
ومعلوم أنَّ قطاع الطاقة أصبح محط اهتمام عالمي متزايد، لا سيَّما مع تنامي دور الشركات الناشئة التي تسعى لإعادة تشكيل مشهده بالكامل؛ عبر مشاريع مبتكرة، وتقنيات حديثة وعميقة، ونماذج أعمال رائدة تقود التحول نحو مستقبل أكثر استدامة وكفاءة، علمًا أن هذه الشركات ليست مجرد إضافات هامشية، بل هي قلب التغيير ووقوده.
الطاقة المتجددة
يشهد قطاع الطاقة العالمي تحولًا جذريًا غير مسبوق؛ فبعد عقود من الاعتماد على الوقود الأحفوري، تتجه الأنظار اليوم نحو مصادر الطاقة المتجددة؛ مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح.
هذه الثورة ليست مدفوعة بالوعي البيئي فقط، بل أيضًا بالتطورات التكنولوجية التي جعلت إنتاج الطاقة المتجددة أكثر كفاءة وأقل تكلفة. ومع ذلك، لا يزال القطاع يواجه تحديات كبيرة؛ أبرزها كيفية تحقيق استقرار الشبكات الكهربائية، وكيفية تخزين الطاقة المتجددة بكفاءة، وكيفية دمج التقنيات الجديدة بسلاسة في البنية التحتية القائمة. وهنا يأتي دور ريادة الأعمال.
ريادة الأعمال عملية إبداعية
ريادة الأعمال ليست مجرد إنشاء شركة جديدة، بل عملية إبداعية تتمثل في تحويل الأفكار المبتكرة إلى مشاريع ذات قيمة اقتصادية واجتماعية؛ فرائد الأعمال هو الشخص القادر على تحديد الفرص غير المستغلة، وتحمُّل المخاطر المحسوبة، وتوفير حلول للمشكلات المعقدة.
وفي سياق قطاع الطاقة، تعني ريادة الأعمال: القدرة على تطوير تقنيات جديدة، وإنشاء نماذج أعمال مبتكرة، وبناء شركات قادرة على الاستدامة، والمنافسة في سوق يتسم بالديناميكية والتغير.
التقنيات البازغة
إن العلاقة بين ريادة الأعمال والتقنيات البازغة علاقة تكاملية؛ فلا يمكن لقطاع الطاقة أن يتطور دون تبني تقنيات جديدة، ولا يمكن للتقنيات الجديدة أن تصل إلى السوق وتُحدِث أثرًا دون رواد أعمال يؤمنون بها ويحولونها إلى منتجات وخدمات قابلة للتطبيق؛ وهي تقنيات يتمثل أبرزها فيما يلي:
· 1. الذكاء الاصطناعي (AI) : يُستخدم في تحسين كفاءة شبكات الطاقة، وتوقع أنماط الاستهلاك، وإدارة محطات الطاقة المتجددة.
· 2. إنترنت الأشياء (IoT) : تتيح مراقبة وإدارة استهلاك الطاقة في المنازل والمباني والمنشآت الصناعية بشكل ذكي.
· 3. تكنولوجيا البلوك تشين (Blockchain) : تُستخدم في تسهيل عمليات تداول الطاقة بين الأفراد (Peer-to-Peer energy trading) وتعزيز الشفافية والأمان.
· 4. التقنيات الحيوية (Biotechnology) : تُساهم في تطوير أنواع من الوقود الحيوي المستدام من مصادر مختلفة.
دور رائد الأعمال في قطاع الطاقة
يتجاوز دور رائد الأعمال في هذا القطاع مجرد تحقيق الربح؛ إذ يساهم في:
1. دفع الابتكار: بتطوير حلول جديدة لمشكلات الطاقة المعقدة.
2. خلق القيم: سواء كانت اقتصادية أو بيئية أو اجتماعية.
3. تغيير السلوكيات: بتوفير منتجات وخدمات تشجع على الاستهلاك المستدام للطاقة.
4. توليد فرص العمل: في مجالات جديدة ومستقبلية.
ابتكار الطاقة الريادي
هناك مجالات واعدة يمكن لرواد الأعمال التركيز عليها في قطاع الطاقة:
1. مصانع الطاقة الشمسية: لا يقتصر الابتكار هنا على إنتاج الألواح الشمسية فقط، بل يمتد إلى تطوير تقنيات لزيادة كفاءة هذه الألواح، وأنظمة تخزين الطاقة الحرارية، وحلول الطاقة الشمسية المدمجة في المباني.
2. حلول تخزين الطاقة: تُعد من أكبر التحديات في القطاع؛ حيث يتضمن الابتكار هنا تطوير بطاريات جديدة، وأنظمة تخزين الطاقة الهيدروجينية، وحلول التخزين الحراري.
3. شبكات الطاقة الذكية: استخدام التقنيات الرقمية لتحسين كفاءة الشبكة، وتقليل الفاقد، ودمج مصادر الطاقة المتجددة.
4. الطاقة المتجددة الموزعة: تمكين الأفراد والمؤسسات من توليد الطاقة الخاصة بهم (مثلًا، عبر ألواح شمسية على الأسطح)؛ ما يقلل الاعتماد على الشبكات المركزية.
5. كفاءة الطاقة وإدارتها: تطوير برامج وتطبيقات تساعد الأفراد والشركات على فهم وتحسين استهلاكهم للطاقة.
دراسات حالة لشركات ناشئة
توجد نماذج ودراسات حالات لشركات ناشئة ناجحة؛ فعلى سبيل المثال:
شركة أكوا باور ACWA Power السعودية، التي بدأت كمطور لمشاريع الطاقة وتحلية المياه، وأصبحت اليوم لاعبًا عالميًا.
شركة كَرم سولار Karm Solar المصرية، التي أصبحت من كبرى الشركات في مجال الطاقة الشمسية في المنطقة. هاتان الشركتان وغيرهما تؤكدان أن الابتكار ليس حكرًا على منطقة معينة، وأن الفرص متاحة لمن يمتلك الرؤية والإصرار.
حاضنات ومسرعات الابتكار
تلعب الجامعات دورًا محوريًا في دعم الابتكار؛ من خلال إنشاء حاضنات ومسرعات أعمال متخصصة في قطاع الطاقة؛ مثل:
مركز الابتكار في الطاقة بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST): يدعم الشركات الناشئة في مجال الطاقة والمياه.
مسرعة الأعمالTeqdar Go Green: أطلقها بنك مصر بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو)؛ حيث يركز على دعم الشركات الناشئة التي تعمل في مجالات إعادة التدوير، والطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، وتحويل المخلفات إلى طاقة.
هذه الحاضنات والمسرعات توفر للشركات الناشئة الدعم المالي، والتوجيه، والوصول إلى البنية التحتية البحثية؛ ما يساعدها على تحويل أفكارها إلى واقع.
نظام الطاقة البيئي الديناميكي
لم يعد قطاع الطاقة مجرد مجموعة محطات كبيرة، بل أصبح نظامًا بيئيًا ديناميكيًا، يتضمن شركات كبرى، وشركات ناشئة، ومستثمرين، وجامعات، ومستهلكين؛ حيث يقوم كل طرف في هذا النظام بدور حاسم في رسم مستقبل الطاقة.
إننا نتحرك نحو مستقبل تكون فيه الطاقة أكثر لامركزية، وذكاء، واستدامة؛ وهو ما لن يتحقق إلا بجهود رواد الأعمال والمبتكرين الذين لديهم الجرأة على التفكير بشكل مختلف، وتحدي الأوضاع الراهنة، وبناء الحلول التي نحتاجها لمواجهة تحديات الغد.


