“كن انتقائيًا بشأن الصور والأفكار التي تسمح لها بالدخول إلى عقلك.” – إبيكتيتوس، قد لا يعجبك سماع ذلك، لكن الحقيقة هي أن عقلك يتعرض للتأثير باستمرار، سواء أدركت ذلك أم لا. فالسؤال ليس: هل هناك من يحاول التأثير في طريقة تفكيرك؟ بل: من الذي يفعل ذلك؟
قد يكون الإعلام، أو السياسيون، أو مشاهير الفن، أو صناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، أو الموسيقيون، أو الكُتاب، أو حتى الآباء والمعلمون والأصدقاء. فجميعهم، بدرجات متفاوتة، يتركون بصماتهم على طريقة تفكيرك ونظرتك إلى العالم.
المحتوى يصنع طريقة التفكير
يمثل المحتوى الذي تستهلكه يوميًا أكبر مصدر لهذا التأثير. لكن التأثير ليس سلبيًا دائمًا، فهناك محتوى يضيف قيمة إلى حياتك، ويمنحك معرفة جديدة، ويساعدك على النمو، ويجنبك الوقوع في الأخطاء. وهذا هو المحتوى البنّاء.
وفي المقابل، يوجد محتوى آخر يستهلك انتباهك ويغذي مشاعر سلبية تؤثر في قراراتك وسلوكك، ما يمكن وصفه بالمحتوى الهدّام.
الفرق بين البناء والهدم
يمكن التمييز بين النوعين من خلال الأثر الذي يتركه كل منهما داخلك.
فإذا كان المحتوى يزرع فيك الشجاعة، والأمل، والحماس، والحب، والامتنان، ويدفعك إلى تحسين حياتك، فهو يؤدي دورًا إيجابيًا.
أما إذا كان يملأك بالخوف، أو الغضب، أو الكراهية، أو الحسد، أو اليأس، أو يدفعك إلى النظر للحياة بسوداوية، فغالبًا ما يكون محتوى هدامًا، حتى وإن بدا مسليًا أو جذابًا.
اختر ما يغذي عقلك
حماية العقل تبدأ من حسن اختيار ما نستهلكه كل يوم. فإذا كان المحتوى لا يساعدك على الاقتراب من أهدافك أو تطوير نفسك، فمن الأفضل تقليل حضوره في حياتك.
وينطبق الأمر أيضًا على الحسابات التي تعتمد على السخرية من الآخرين أو إثارة الجدل أو التحريض على الكراهية. إذ إن الاستمرار في متابعتها يجعل المشاعر السلبية جزءًا من يومك دون أن تشعر.
كما أن الاعتماد على المشاهير أو السياسيين في تكوين القناعات الشخصية قد يقود إلى تبني أفكار تخدم أجنداتهم أكثر مما تخدم مصالحك.
غذاء للعقل لا استنزاف له
في المقابل، فإن قراءة الكتب الملهمة، والسير الذاتية للناجحين، ومحتوى تطوير الذات، والاستماع إلى الموسيقى التي تبعث على التفاؤل والطاقة، كلها وسائل تغذي العقل وتمنحه مساحة للنمو بدلًا من استنزافه.
فالعقل، مثل الجسد، يتأثر بما يتغذى عليه يوميًا، وكلما كان غذاؤه أفضل، كانت قراراته أوضح ونظرته للحياة أكثر توازنًا.
الوعي هو خط الدفاع الأول
أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل تعتمد بصورة متزايدة على المحتوى الذي يثير الانفعالات الحادة لأنه يحقق نسب مشاهدة وتفاعل أعلى، لذلك يصبح الوعي بما نستهلكه ضرورة لا رفاهية.
فالانتباه لما يدخل إلى عقلك هو الوسيلة الأكثر فاعلية لحماية أفكارك من التأثر غير الواعي، ولضمان أن يكون المحتوى الذي تتابعه أداة لبناء شخصيتك، لا وسيلة للتحكم فيها.


