أصبحت المهارات الناعمة المطلوبة في الحياة المهنية، مثل: مهارات التعامل مع الآخرين، ومهارات القيادة، بالإضافة إلى مهارات الكاريزما -على الرغم من غرابة الوصف-، والاجتهاد، والمساهمة، بمثابة العمود الفقري لعملية التوظيف في عالمنا اليوم، فهي التي قد تسبب فشل الشركات الناجحة، وتجعل الأسهم تتلاشى، والابتكارات بطيئة، وتدفع العملاء أيضًا للبحث عن البدائل.
لذا دعونا نتفق على أن بعض تلك المهارات ضرورية ولا غنى عنها، فالعملية هنا ليست مجرد مضيعة للوقت، مثلما يحدث عند توظيف المبرمجين وهم في الحقيقة لا يستطيعون البرمجة، أو المهندسين المعماريين الذين لا يستطيعون التصميم.
ومع ذلك دائمًا هناك تساؤل: كيف نفسر حصول بعض الشركات التي تضم أشخاصًا من ذوي المهارات المهنية المماثلة على نتائج مختلفة تمامًا؟
السبب ببساطة هو تركيز معظم الكُتب التي يدرسها الطلاب والاختبارات التي يجرونها، وحتى مربعات الاختيار التي يجب تحديدها للحصول على وظيفة ما، على المهارات الأساسية المزعومة التي يطلق عليها “المهارات الناعمة”، وهو ما جعلنا بدورنا نقلل من قيمة المهارات الأخرى الأكثر أهمية.
نحن نقلل من شأن بعض المهارات عندما نطلق عليها “ناعمة” ونشير ضمنًا إلى أنها مهارات اختيارية، في حين أن الواقع يؤكد أن ما يفصل بين المؤسسات المزدهرة ونظيرتها المتعثرة هو المواقف، والعمليات، والتصورات التي يصعب قياسها لدى الأشخاص الذين يؤدون العمل.
إن الجميع وبلا استثناء يمكُنه تعلم المهارات “المهنية”، فأنت لم تولد وأنت متعمق في علم الهندسة، أو كتابة الإعلانات، أو حتى تصميم الجرافيك، وعلى الرغم من ذلك يتعين عليك التعلم، ولكننا للأسف نجد أنفسنا في مأزق عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرار، والمشاركة، والشعور بالخوف، والعمل في فرق، ورؤية الحقيقة، والاستعداد لتغيير الأشياء.
إننا لا نستثمر في هذا التدريب خوفًا من أن تكون هذه الأشياء فطرية ولا يمكننا تعلمها، ونرى أن الآخرين الذين يمتلكون تلك المهارات موهوبين بالفطرة، وهو ما يجعلنا نقلل من شأن هذه المهارات، ونسميها “ناعمة”، وهو ما يدفعنا إلى الانتقال إلى شيء آخر من السهل علينا تعلمه.
تولي الشركات اهتمامًا أقل بالمهارات الشخصية عند التوظيف؛ لأننا أقنعنا أنفسنا بأن المهارات المهنية غير شخصية وأسهل في القياس.
إننا بالفعل ننهي حياتنا المهنية ببطء إذا ما كُنا نفتقد تلك المهارات، وحتى مع محاولات تعلمها فإننا في بعض الأحيان نشعر بأنها مضيعة للوقت، في حين أننا يمكننا ببساطة تعلمها على غرار تعلم بعض المهارات الواضحة مثل: السباحة أو الكتابة.
ولكننا دون أن نشعر نتعلمها بالصدفة؛ من خلال الاصطدامات التي نجريها مع المعلمين، وأولياء الأمور، ورؤساء العمل، ورغم صعوبة قياس تلك المهارات فإن هذا لا يعني أننا لا نستطيع ممارستها أو تحسينها أو تغيير الطريقة التي نؤدي بها عملنا؛ لأننا في الواقع نستطيع.
التوقف عن وصفها بالمهارات “الناعمة”
إنها مهارات التعامل مع الآخرين. إنها مهارات القيادة، وعلى الرغم من دقة وصف مهارات الكاريزما، والاجتهاد، والمساهمة فإنه يبتعد تمام البعد عن المهارات المهنية التي نوظفها بالفعل.
المهارات الحقيقية
وذلك لأن أصحابها يعملون، ولأنهم بالفعل في قلب ما نحتاجه اليوم، فأنت حتى لو كُنت تمتلك المهارات المهنية فلن تستطيع تقديم المساعدة دون هذه المهارات الإنسانية؛ تلك المهارات التي لا يمكننا تدوينها أو برمجة الكمبيوتر لتعلمها.
ولا يمكن للمهارات “المهنية” أن تحل محل المهارات “الحقيقية”، ولكن كل ما يمكنها فعله هو تضخيم المهام التي أديتها بالفعل، على سبيل المثال: تخيل عضوًا في فريقك يتمتع بجميع المهارات المهنية التقليدية “منتج، وماهر، وذي خبرة”، وسيرته الذاتية يمكن أن تدعم كل ذلك، بالطبع هذا معيار جيد، والآن أضف إليها المهارات “الحقيقية”: “مُدرك، وذا كاريزما، ومُحدد الأهداف، ومُتحمس”، هل تساءلت: ماذا يحدث لشركتك عندما ينضم شخص مثل هذا إلى فريقك؟
وحول هذا كتبت “لو سولومون”؛ الرئيسة التنفيذية لشركة “إنتراكت”، في مجلة “هارفارد لمراجعة الأعمال” أن نحو 69% من المديرين لا يشعرون بالارتياح في التواصل مع موظفيهم، وعلى الصعيد الشخصي فإني أعتقد بأن الغالبية من الـ 31% الآخرين يكذبون.
لا شك أن التواصل مع الموظفين أمر غير مريح على الإطلاق؛ لأننا شيدنا أنظمة للامتثال؛ ما جعل الأمر صعبًا، وطلبنا منهم أن يتركوا إنسانيتهم عند أبواب العمل، ثم دفعناهم عبر وظائفهم لتغيير سلوكياتهم. لقد نجحنا في دمج جشع الشركات والتفكير قصير المدى مع الرغبة البشرية في أداء عمل مهم.
وهو ما يجعلنا نتساءل في الوقت الراهن: كيف نبني شركات تتمحور حول الأفراد، بينما نقبل أيضًا حقيقة أن الغالبية من مدرائنا لا يشعرون بالارتياح عند أداء جزء أساسي من عملهم؟ حسبما ذكرت “لو سولومون”.
وأظهرت دراسة حديثة أجراها “مجلس قبول الإدارة العليا”، مؤخرًا، أنه على الرغم من أن حاملي ماجستير إدارة الأعمال كانوا أقوياء في الكفاءة التحليلية، والخبرة الكمية، والقدرة على جمع المعلومات، فإنهم كانوا مُفتقرين بشدة إلى المجالات المهمة الأخرى التي يجدها أصحاب العمل جذابة بنفس القدر مثل: التفكير الاستراتيجي، والتواصل الكتابي والشفوي، والقيادة والقدرة على التكيف، وهو ما يجعلنا نتساءل مجددًا: هل يجب أن نستبدل أحدهما بالآخر؟
الثقة والسماح بالتحدث مع بعضنا البعض أساس كل المهارات “الحقيقية”
ورغم ذلك تسعى مفاهيم سوء الإدارة مثل “التقليل، أو التخويف، أو السيطرة” ببساطة إلى أن تكون هي المهيمنة والسائدة على ساحة سوق العمل وتتسبب في فشل العديد من الشركات.
بقلم / سيث جودين
المقال الأصلي: هنا


