حذر إيلون ماسك؛ الرئيس التنفيذي لشركتي «سبيس إكس» و«تسلا»، من احتمال انهيار أكثر من 200 شركة متخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، في ظل تشديد المقرضين شروط التمويل وتراجع استعدادهم لإقراض الشركات التي تفتقر إلى إيرادات مستقلة عن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب وكالة «رويترز»، جاءت تصريحات «ماسك» بالتزامن مع إعلان «سبيس إكس» تأمين تمويل بالدين بقيمة 40 مليار دولار لشراء وحدات معالجة الرسومات اللازمة لتطوير قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، أفادت معلومات نقلتها وكالة «بلومبرج» عن أشخاص مطلعين على المناقشات بأن الأطراف المعنية كانت لا تزال تبحث شروط التسعير حتى أمس الأحد. ما يشير إلى أن تفاصيل الاتفاق لم تكن قد حُسمت نهائيًا في ذلك الوقت.
وتسلط هذه التطورات الضوء على التباين بين الشركات التي تمتلك مصادر إيرادات متنوعة وتصنيفًا ائتمانيًا قويًا. وتلك التي تعتمد بصورة كبيرة على تمويل الديون وتقديم خدمات الحوسبة لقطاع الذكاء الاصطناعي. ومع تزايد الاستثمارات المطلوبة لتوفير الرقائق ومراكز البيانات. تواجه الشركات المتخصصة ضغوطًا متنامية تتعلق بتكلفة الاقتراض واستدامة الطلب.
«ماسك» يثير المخاوف
أوضح «ماسك»، في منشور عبر منصة «إكس»، أن أسواق الدين أغلقت أبوابها تقريبًا أمام الشركات التي لا تحقق إيرادات كبيرة من مصادر مستقلة عن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وبناءً على ذلك، توقع أن تواجه أكثر من 200 شركة تعمل في هذا المجال موجة واسعة من التعثر والاندماج أو الخروج من السوق. مشيرًا إلى أن عددًا محدودًا فقط قد يتمكن من الاستمرار.
وتقدم هذه الشركات خدمات حوسبة متخصصة للشركات العاملة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. إذ توفر قدرات معالجة متقدمة تعتمد على رقائق عالية الأداء. غير أن التوسع في هذه الخدمات يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة، سواء لشراء المعدات أو إنشاء البنية التحتية اللازمة لتشغيلها. وهو ما يدفع عددًا من الشركات إلى الاعتماد على الاقتراض لتمويل نموها.
ومع ذلك، فإن استمرار الطلب على قدرات الحوسبة لا يضمن بالضرورة قدرة جميع الشركات على تحقيق أرباح كافية. فارتفاع تكاليف التمويل، إلى جانب الحاجة إلى استثمارات متواصلة في الرقائق ومراكز البيانات. قد يزيد الضغوط على الشركات التي لا تمتلك أنشطة أخرى توفر تدفقات نقدية مستقرة. ولذلك، تتركز المخاوف على قدرة هذه الشركات على الوفاء بالتزاماتها في حال تباطؤ الإيرادات أو ارتفاع تكلفة الاقتراض.
لماذا تتمتع «سبيس إكس» بقدرة أكبر على تأمين التمويل؟
وسعى «ماسك» إلى توضيح الفارق بين وضع «سبيس إكس» والشركات المتخصصة في الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي. موضحًا أن شركته تستفيد من تصنيفها الائتماني الاستثماري. إلى جانب الإيرادات التي تحققها من خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التابعة لـ«ستارلينك» وعمليات إطلاق الصواريخ. وتمنح هذه الأنشطة الشركة مصادر دخل لا تعتمد بالكامل على الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي.
وأعلن «ماسك» أن التمويل البالغ 40 مليار دولار يستهدف شراء وحدات معالجة الرسومات من شركة «إنفيديا». لدعم طموحات «سبيس إكس» في تطوير قدراتها الحاسوبية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية في ظل المنافسة المتزايدة على امتلاك الرقائق المتقدمة، التي تُستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. فضلًا عن تشغيل التطبيقات التي تتطلب قدرات معالجة كبيرة.
وفي المقابل، تواجه الشركات التي تعتمد إيراداتها بدرجة كبيرة على تأجير قدرات الحوسبة لعملاء الذكاء الاصطناعي وضعًا ماليًا أكثر حساسية. إذ ترتبط قدرتها على سداد الديون باستمرار الطلب على خدماتها وبقدرتها على تحقيق عوائد مناسبة من الاستثمارات الضخمة. ومن ثم، فإن امتلاك مصادر دخل متنوعة قد يمنح الشركات الكبرى مرونة أكبر في الحصول على التمويل مقارنة بالشركات التي تعتمد على نشاط واحد.
هل تتجه صناعة الذكاء الاصطناعي إلى إعادة هيكلة واسعة؟
وتعكس تحذيرات «ماسك» تصاعد النقاش حول جدوى الإنفاق المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. خصوصًا مع اعتماد عدد من الشركات على الاقتراض لتوسيع مراكز البيانات وشراء الرقائق. وبينما تسعى شركات التكنولوجيا إلى زيادة قدراتها الحاسوبية. يطالب المقرضون والمستثمرون بمؤشرات أوضح على قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق إيرادات مستدامة.
واستبعد «ماسك» أن تستحوذ «سبيس إكس» على الشركات المتعثرة، واصفًا هذه الخطوة بأنها غير مجدية. ويعني هذا الموقف أن الشركة لا تعتزم، وفق تصريحاته، التعامل مع الأزمة المحتملة من خلال شراء المنافسين الذين قد يواجهون صعوبات مالية. رغم حاجتها إلى توسيع قدراتها في مجال الحوسبة.
وفي النهاية، يبقى تحذير «ماسك» توقعًا بشأن مستقبل القطاع، وليس تأكيدًا على انهيار جميع الشركات المعنية. غير أن تشديد شروط التمويل قد يدفع السوق إلى إعادة تقييم الشركات وفق قدرتها على توليد الإيرادات، وإدارة الديون، وتحقيق عوائد من استثماراتها.
ومن المرجح أن تزداد أهمية هذه العوامل مع استمرار الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهو ما قد يحدد الشركات القادرة على مواصلة التوسع وتلك التي ستضطر إلى تقليص أعمالها أو الخروج من السوق.


