لا يشمل إتقان الذكاء العاطفي القدرة المجرّدة على كبح المشاعر. بل يبدأ بوعي عميق بأسبابها وتفكيك تأثيرها المباشر في الآخرين.
في حين تكشف المعطيات عن فجوة جليّة بين تقييم القادة لأساليبهم ونظرة فرق العمل إليهم. ما يجعل الوعي بالذات ركيزة لا غنى عنها لتطوير الأداء القيادي.
وبحسب مجلة «فورتشن» فإن 95% من القادة يعتقدون امتلاكهم وعيًا ذاتيًا مرتفعًا. بينما تظهر الأرقام الفعلية أن النسبة لا تتجاوز 10 إلى 15% فقط.
وتبرز أبحاث الدكتورة تاشا يوريك أن هذه الفجوة بين التقييم الذاتي ورؤية الفريق تشكّل الثغرة الأبرز التي يتراجع عندها مستوى الذكاء العاطفي.
علاوة على ذلك، يتجاوز التوازن الانفعالي مفهوم الحفاظ على الهدوء الظاهري أثناء الأزمات. إلى القدرة على رصد المحفزات الأولية للانفعال قبل انعكاسها على السلوك.
ورغم الأهمية الجوهرية لهذا البعد في إدارة العلاقات، إلا أن التطبيق المنتظم له يظل غائبًا عن ممارسات قطاع واسع من القيادات.
الوعي بالمشاعر وإدارة ردود الأفعال
تؤكد كلية هارفارد للأعمال أن 71% من أصحاب العمل يمنحون الذكاء العاطفي أولوية تفوق القدرات التقنية. وهو ما يعكس تحولًا جذريًا نحو اعتماد المهارات السلوكية معيارًا أساسيًا للنجاح في بيئة العمل الحديثة.
وفي هذا الصدد، تواصل الجهات المتخصصة، بعد أكثر من عقدين من الخبرة في التطوير القيادي. التركيز على المهارات الجوهرية للذكاء العاطفي. حيث يُبرز الخبراء أربع مهارات رئيسة لتعزيز الأداء الإداري، ضمن قائمة متكاملة تضم تسع مهارات أساسية.
وعلى رأس هذه المهارات، تأتي القدرة على إدارة المشاعر وتوجيهها. وهي مهارة لا تعني قمع الانفعالات، بل فهم مسبباتها قبل اتخاذ القرار.
والتريث للحظات قبل الرد على المراسلات الرسمية أو التعليق في الاجتماعات يشكل صمام أمان يقي المؤسسات من تداعيات القرارات المتسرعة.
تقديم الملاحظات والتعامل مع التوتر
وتعد القدرة على تقديم الملاحظات من المهارات التي قد يحدث فيها خلل متكرر داخل بيئة العمل. فالصراحة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون الملاحظات واضحة بشأن ما ينبغي تغييره، مع الانتباه إلى الطريقة المناسبة لإيصالها.
كذلك، فإن التعامل مع التوتر يمثل جانبًا مهمًا من الذكاء العاطفي. إذ إن الضغط غير المُدار قد يؤدي إلى عدم اتساق السلوك القيادي. وعندما تتغير طريقة تعامل المدير مع فريقه تبعًا لمستوى الضغط الذي يواجهه يجد أعضاء الفريق صعوبة في توقع ردود أفعاله.
ولهذا، يمكن أن تساعد ممارسات بسيطة على إدارة الضغوط، مثل: تخصيص خمس دقائق للمشي بين الاجتماعات أو الحصول على استراحة غداء مناسبة بدلًا من تناول الطعام أثناء العمل والرد على الرسائل.
ورغم بساطة هذه الإجراءات، فإن الالتزام بها قد يتراجع بسبب الاعتقاد بعدم وجود وقت كافٍ لها.
التعاطف مهارة يمكن تطويرها
ويمثل إظهار التعاطف مهارة أخرى أساسية؛ إذ يحدث الخلط أحيانًا بين التعاطف والموافقة على ما يقوله الطرف الآخر.
بينما يرتبط التعاطف بالاعتراف بما يشعر به الشخص وفهم حالته قبل الانتقال إلى محاولة معالجة المشكلة أو تقديم الحلول.
ويؤدي هذا الأسلوب إلى تحسين تجربة أعضاء الفريق في التعامل مع القيادة. لأن الأشخاص لا يحتاجون دائمًا إلى حلول فورية لجميع مشكلاتهم. وإنما يحتاجون أولًا إلى التأكد من أن مشاعرهم ومخاوفهم تم الاستماع إليها وفهمها.
وبناءً على ذلك، فإن المهارات الأربع، وهي: إدارة المشاعر، وتقديم الملاحظات، والتعامل مع التوتر، وإظهار التعاطف، لا تمثل صفات شخصية ثابتة. وإنما مهارات يمكن تطويرها من خلال الممارسة المستمرة.
وكلما زاد التدريب عليها تحسن استخدامها، بينما يؤدي إهمالها إلى تراجع مستوى إتقانها.


