لم يعد التغيير المستمر في بيئة العمل مجرد تحدٍ يتعين على الموظفين التكيف معه؛ بل أصبح مصدرًا متزايدًا للإرهاق والضغط النفسي. ذلك في ظل موجات تسريح العاملين وإعادة هيكلة الشركات، والتحول إلى العمل الهجين. إلى جانب التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي.
وعلى الرغم من أن التغيير التنظيمي ليس أمرًا جديدًا؛ فإن شركات كثيرة شهدت تحولات واسعة منذ جائحة «كوفيد-19»، شملت:
– الانتقال بين العمل من المنزل والمكاتب.
– فرض العودة إلى مقار العمل.
– تسريح أعداد كبيرة من الموظفين.
– إعادة توزيع المسؤوليات.
– تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقالت لورين «لو» ستومسكي؛ رئيسة المواهب في شركة «وول مارت». لموقع «سي إن بي سي ميك إت» خلال قمة «فوربس» لمستقبل العمل في نيويورك يوم 6 أكتوبر، إن الجميع يشعرون بالإرهاق من التغيير. كما أشارت إلى أن بيئة العمل تتغير بوتيرة سريعة للغاية.
وأضافت أن على المديرين وأصحاب الأعمال التفكير بجدية في كيفية مساعدة الموظفين على التعامل مع هذه التحولات والتكيف معها.
ما إرهاق التغيير؟
ويشير مصطلح «إرهاق التغيير» إلى حالة من الاستنزاف النفسي والذهني قد يمر بها الموظفون بعد تعرضهم لسلسلة متلاحقة من التغييرات في مؤسساتهم. وقد يظهر ذلك في صورة مقاومة للتحولات الجديدة، أو اللامبالاة تجاهها، أو الاستسلام للأمر الواقع.
وتشير أبحاث إلى أن هذه الحالة قد تتنبأ بزيادة الضغوط النفسية والاحتراق الوظيفي، فضلًا عن تراجع التزام الموظفين بأعمالهم وانخفاض مستويات الأداء.
ويواجه كثير من العاملين تغييرات متلاحقة ومفاجئة، من دون منحهم الوقت الكافي للتكيف مع كل تحول قبل الانتقال إلى آخر.
وفي استطلاع أجرته مؤسسة «جالوب» على أكثر من 22 ألف عامل أمريكي، ونُشرت نتائجه في ديسمبر 2024، قال نحو 73% من الموظفين إن مؤسساتهم شهدت مستوى من التغيير المربك خلال العام السابق.
وأشار التقرير إلى أن الموظفين الذين تعرضوا لمزيد من الاضطرابات في بيئة العمل كانوا أكثر عرضة للشعور بالاحتراق الوظيفي في الوقت الراهن.
وقال بيتر كابيلي؛ أستاذ الإدارة ومدير مركز الموارد البشرية في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، إن التغيير يسبب ضغوطًا، خصوصًا عندما لا يُدار بصورة جيدة. كما أوضح أن كل مرحلة انتقالية تفرض ضغوطًا وتتطلب طاقة من العاملين. ما يؤدي في النهاية إلى استنزافهم.
كيف يمكن للشركات تخفيف الضغوط؟
ويمكن لأصحاب الأعمال اتخاذ خطوات تجعل التغييرات التنظيمية أكثر قابلية للتعامل معها، من بينها منح الموظفين مساحة أكبر للمشاركة في القرارات، وتوفير الأدوات اللازمة لمساعدتهم على التكيف، بحسب ستومسكي.
وقد يشمل ذلك الاستماع إلى آراء العاملين قبل تنفيذ عمليات إعادة الهيكلة، أو إتاحة الفرصة لهم للتقدم إلى وظائف أخرى داخل الشركة إذا كان من المقرر إلغاء وظائفهم الحالية.
وشدد «كابيلي» على أهمية إطلاع الموظفين بوضوح على الأهداف التي تسعى الشركة إلى تحقيقها، مع التأكيد على رغبتها في إشراكهم في عملية التغيير.
كما أن التواصل الواضح بشأن أسباب التحولات الجديدة وانعكاساتها على العاملين يمكن أن يحد من القلق المصاحب لها. وعند إدخال تقنيات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، يصبح التدريب عاملًا مهمًا في تسهيل عملية الانتقال.
وقال «كابيلي» إن قدرًا كبيرًا من مقاومة التغيير ينشأ عندما يشعر الموظفون بأنهم قد يفشلون في بيئة العمل الجديدة. وأضاف أن توضيح كيفية استخدام الأدوات الجديدة وإتاحة الفرصة للتدرب عليها يمكن أن يساعدا في جعل الانتقال أكثر سلاسة.
ماذا يمكن للموظفين فعله؟
في المقابل، ينبغي للموظفين التركيز على الجوانب التي يستطيعون التحكم فيها. حتى إن كانت قدرتهم على التأثير في القرارات التنظيمية محدودة.
ويمكنهم أيضًا طلب مزيد من الإجابات والتوضيحات من المديرين المباشرين، بشأن التغييرات المرتقبة. بما يساعدهم على فهم ما ينتظرهم والاستعداد له.
لكن الشركات ينبغي أن تتوقع أن يلجأ بعض العاملين إلى البحث عن فرص وظيفية بديلة. خصوصًا عندما يشعرون بأن مستقبلهم المهني داخل المؤسسة أصبح غامضًا.
وقال «كابيلي» إن الموظفين الذين يواجهون تغييرات من دون معرفة الاتجاه الذي تسلكه الشركة، أو الشعور بأنهم سيشاركون في العملية، أو امتلاك أي قدرة على التأثير فيها، قد يتجهون إلى البحث عن وظائف أخرى.
وتعكس هذه المخاطر أهمية إدارة التغيير باعتبارها عملية تتطلب التواصل والمشاركة والتدريب، لا مجرد إصدار قرارات جديدة وانتظار تكيف الموظفين معها.


