غالبًا ما يكون تقرير المسؤولية الاجتماعية أو الاستدامة وثيقة أنيقة، مليئة بالأرقام والصور والشعارات، وتحتوي على صفحات عن خفض الانبعاثات والتبرعات والمبادرات البيئية ومشاركة الموظفين.
يظهر التقرير على موقع الشركة، ويُرسل إلى المستثمرين والعملاء، وتستعين به إدارات العلاقات العامة في العروض التقديمية.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما يقوله التقرير، وإنما بما إذا كان أي من ذلك غيّر شيئًا بالفعل على أرض الواقع.
لسنوات، تعاملت شركات كثيرة مع المسؤولية الاجتماعية باعتبارها نشاطًا اتصاليًا أكثر منها جزءًا من إستراتيجية العمل. وكان المطلوب إنتاج تقرير جيد، وإطلاق حملة بيئية بين الحين والآخر، والتقاط بعض الصور للموظفين وهم يزرعون الأشجار، ثم تسجيل النشاط ضمن إنجازات الشركة.
النموذج بدأ يفقد صلاحيته
الضغوط المتزايدة المرتبطة بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، وتشدد المتطلبات التنظيمية، وتغير توقعات الموظفين والعملاء، جعلت الفجوة بين ما تقوله الشركات وما تفعله أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
والشركات التي لا تتعامل مع المسؤولية الاجتماعية باعتبارها ممارسة حقيقية ستدفع ثمن ذلك، سواء على مستوى السمعة أو استقطاب المواهب أو الأداء المالي.
الغسل الأخضر لم يعد مجديًا
الغسل الأخضر ليس سوى محاولة لبناء صورة صديقة للبيئة دون إجراء تغييرات حقيقية تدعم هذه الصورة.
وقد تتخذ هذه الممارسة أشكالًا عديدة. فقد تروج شركة لمنتج باعتباره «صديقًا للبيئة» استنادًا إلى خاصية واحدة، بينما تتجاهل الأثر البيئي الضار لعملية إنتاجه.
وقد تحتفي بزراعة ألف شجرة سنويًا، في الوقت الذي تطلق فيه عشرات الآلاف من أطنان ثاني أكسيد الكربون دون خطة حقيقية لخفض انبعاثاتها.
وربما تطلق شركة مجموعة محدودة من المنتجات «الخضراء» لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من أعمالها، ثم تستخدمها باعتبارها دليلًا على تحول شامل في نموذجها. وفي حالات أخرى، تلجأ إلى شهادات تبدو موثوقة، لكنها لا تخضع لتحقق مستقل.
والقاسم المشترك بين كل هذه الممارسات هو أن الرسالة التسويقية تتقدم كثيرًا على الفعل الحقيقي، فتصبح البيئة أداة لبناء الصورة بدلًا من أن تكون جزءًا من قيم الشركة وقراراتها.
كان هذا النهج مربحًا لفترة طويلة، لأن تكلفة صناعة الصورة كانت محدودة، كما أن احتمالات اكتشاف الفجوة بين الادعاء والممارسة كانت ضعيفة.
وكانت فعالية واحدة لزراعة الأشجار، وبعض الصور على «لينكد إن»، كفيلة بإظهار الشركة بمظهر المسؤول بيئيًا. لكن البيئة المحيطة بالشركات تغيرت.
والأجيال الجديدة التي تدخل سوق العمل أكثر ميلًا إلى التحقق من المعلومات، وأقل استعدادًا لتصديق الروايات التي لا تتطابق مع الواقع. والعملاء في قطاع الشركات يطلبون بصورة متزايدة أدلة موثقة على الممارسات البيئية قبل إبرام الصفقات.
كذلك تفرض اللوائح الأوروبية، بما فيها توجيه «سي إس آر دي»، متطلبات أكثر صرامة للإفصاح عن ممارسات الشركات في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة.
وفي المقابل، يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تحول حملة بيئية تفتقر للمصداقية إلى أزمة سمعة في غضون ساعات.
لذلك لم يعد الغسل الأخضر مجرد حيلة تسويقية منخفضة التكلفة، بل أصبح مخاطرة حقيقية على الشركة.
وهنا يبدأ السؤال الأكثر أهمية: كيف تنتقل الشركات من محاولة الظهور بمظهر المسؤول بيئيًا إلى ممارسة المسؤولية الاجتماعية بالفعل؟

الفرق بين المبادرة والصورة
الفارق بين المسؤولية الاجتماعية التي تُعلنها الشركة والمسؤولية الاجتماعية التي تمارسها لا يتعلق بالضرورة بحجم الميزانية أو بحسن النوايا.
والفارق الحقيقي هو ما إذا كانت المبادرة قابلة للقياس والتكرار، وما إذا كانت جزءًا من ثقافة المؤسسة وقراراتها اليومية، أم مجرد نشاط موسمي يظهر مرة واحدة ثم يختفي.
وفي النموذج التقليدي، تأتي المبادرة من الإدارة العليا أو إدارة الاتصالات، ثم يُطلب من الموظفين المشاركة فيها أو معرفة ما تفعله الشركة من أجل البيئة. وغالبًا ما تكون هذه الأنشطة مرتبطة بمناسبة معينة، ولا يُقاس نجاحها إلا بعدد المشاركين أو الصور المنشورة أو التغطية الإعلامية.
والأهم أنها تبقى منفصلة عن النشاط الأساسي للشركة؛ فلا علاقة حقيقية بينها وبين قرارات الشراء، أو إدارة المخلفات، أو اختيار الموردين، أو طريقة بناء سلسلة التوريد.
أما المسؤولية الاجتماعية الفعالة فتبدأ من مكان مختلف. إنها تشرك الموظفين في تنفيذ المبادرات، وتحوّل النشاط البيئي إلى عادة وإجراء مستمر، وتقيس أثره البيئي والتنظيمي معًا. والأهم أنها تنسجم مع بقية قرارات الشركة.
ولا معنى لشركة تتحدث عن حماية البيئة بينما تختار مورديها على أساس السعر فقط، أو تتجاهل إدارة مخلفاتها، أو لا تضع أي اعتبار للأثر البيئي لسلسلة التوريد الخاصة بها.
الموظفون يكشفون الحقيقة
ربما يكون تطوع الموظفين من أبسط الطرق لمعرفة ما إذا كانت المسؤولية الاجتماعية للشركة حقيقية أم مجرد صورة.
وذلك ليس لأن زراعة الأشجار أو تنظيف نهر بالضرورة أكثر الأنشطة البيئية تأثيرًا، وإنما لأن من الصعب اصطناع تجربة ميدانية حقيقية.
ويمكن للشركة أن تكتب تقريرًا عن زراعة الأشجار دون أن تزرع شجرة واحدة. ويمكنها أن تضع على موقعها الإلكتروني صفحة كاملة عن برنامج للتطوع لم يشارك فيه أحد.
لكن من الصعب أن تنظم يومًا بيئيًا حقيقيًا يشارك فيه عشرات الموظفين في زراعة الأشجار أو تنظيف أحد الأنهار، ثم تقنع هؤلاء الموظفين بأن ما حدث لم يكن أكثر من حملة علاقات عامة.
الموظفون يعرفون الفارق. الصور التي يلتقطونها، والقصص التي يتبادلونها بعد انتهاء النشاط، والانطباعات التي ينقلونها إلى زملائهم، كلها أشكال من التواصل يصعب تصنيعها من داخل إدارة العلاقات العامة.
كما أن التطوع يكشف شيئًا آخر أكثر أهمية: ثقافة الشركة نفسها.
وحين يشارك الموظفون بحماس في نشاط بيئي ميداني، فهذا يعني في الغالب أن لديهم ارتباطًا حقيقيًا بقيم المؤسسة. أما إذا كان التطوع يُعامل باعتباره مهمة إجبارية أو يومًا ينبغي تحمله حتى ينتهي، فالمشكلة تتجاوز المسؤولية الاجتماعية بكثير.
كيف تتحول النوايا إلى ممارسة؟
الانتقال من المسؤولية الاجتماعية الشكلية إلى ممارسة حقيقية لا يحتاج إلى إعادة اختراع الشركة من جديد. لكنه يحتاج إلى تغيير بعض الأسئلة التي تطرحها الإدارة.
السؤال الأول يجب ألا يكون: «ماذا سنضع في التقرير؟»، وإنما: «ما الذي يمكننا فعله ويترك أثرًا يستمر بعد انتهاء الحملة؟».
الفارق بين السؤالين كبير. فالشجرة التي يزرعها الموظفون وتواصل نموها لعقود تترك أثرًا حقيقيًا، أما الصورة التي يظهر فيها الرئيس التنفيذي وهو يحمل شتلة فلا تفعل ذلك.
والخطوة التالية هي إشراك الموظفين في تصميم المبادرات، وليس الاكتفاء بدعوتهم إلى تنفيذ ما قررته الإدارة.
وعندما يشارك الموظفون في تحديد القضايا التي يرونها مهمة، واختيار الأنشطة التي يريدون تنفيذها، يصبح ارتباطهم بالمبادرة أقوى، وتصبح النتائج أفضل.
ويمكن للشركات ببساطة أن تسأل فرقها: ما القضايا البيئية التي تعني لكم شيئًا؟ وما الأنشطة التي تريدون المشاركة فيها؟ وكيف يمكن تنفيذها بطريقة تتناسب مع طبيعة العمل؟
ثم تأتي الاستمرارية.
فعالية واحدة لزراعة الأشجار كل ثلاث سنوات تظل فعالية. أما الأنشطة البيئية المنتظمة التي تتوزع على مدار العام وتشترك فيها فرق مختلفة، فتتحول تدريجيًا إلى جزء من ثقافة الشركة.
وهذا هو الفارق الذي يصنع أثرًا حقيقيًا، سواء على البيئة أو على علاقة الموظفين بشركتهم.
العائد يتجاوز السمعة
قد يبدو السؤال عن العائد على الاستثمار في المسؤولية الاجتماعية عمليًا ومشروعًا. فمجالس الإدارة والمديرون مسؤولون عن النتائج، ومن الطبيعي أن يسألوا عما تجنيه الشركة مقابل الأموال والوقت اللذين تنفقهما على المبادرات الاجتماعية والبيئية.
وتشير نتائج الأبحاث الحديثة إلى أن الشركات التي تمتلك برامج حقيقية للمسؤولية الاجتماعية تحقق معدلات أقل لدوران الموظفين، ومستويات أعلى من المشاركة، ونتائج أفضل في استقطاب المواهب، خصوصًا بين المرشحين من جيل «زد».
كما أن الموظفين الذين يشعرون بأن قيم الشركة تتوافق مع قيمهم يكونون أكثر إنتاجية وأقل ميلًا إلى البحث عن فرص عمل أخرى.
ويزداد هذا الأثر عندما يكون الموظف مشاركًا بنفسه في المبادرة، بدلًا من أن يكتفي بتلقي رسالة بريد إلكتروني تخبره بأن شركته «تهتم بالبيئة».
أما خارج الشركة فتساعد المسؤولية الاجتماعية الحقيقية على بناء رصيد من الثقة مع العملاء والشركاء والمستثمرين.
وفي سوق الشركات؛ حيث أصبحت معايير البيئة والمجتمع والحوكمة عنصرًا متزايد الأهمية في قرارات الشراء والتعاقد، يمكن لسمعة الشركة باعتبارها طرفًا حقيقيًا في التنمية المستدامة أن تتحول إلى ميزة تنافسية.
لكن هذه الميزة لا تُصنع بالكلمات. ما يثبتها هو سجل الشركة، وأرقامها، والنتائج التي حققتها، والشركاء الذين يمكنهم الحديث عن تجربتهم معها.
الشريك جزء من المعادلة
لا يمكن للشركة أن تبني برنامجًا حقيقيًا للمسؤولية البيئية دون اختيار شركائها بعناية.
والجهات التي تبيع للشركات مجرد فرصة لتمويل زراعة الأشجار، دون تحديد واضح للمواقع أو الأنواع، أو توثيق للنشاط أو متابعة للنتائج، لا تساعد على حل المشكلة، بل تساهم في استمرارها.
والشريك الجيد يجب أن يوفر الشفافية في كل مرحلة، بدءًا من اختيار المواقع وأنواع الأشجار، مرورًا بتنظيم النشاط الميداني ومشاركة الموظفين، وصولًا إلى توثيق النتائج ومتابعتها على المدى الطويل.
وهذا هو النهج الذي تتبعه مؤسسة «ون مور تري» في عملها مع الشركات التي تريد الانتقال من المسؤولية الاجتماعية المعلنة إلى الممارسة الفعلية.
في حين تنظم المؤسسة فعاليات لزراعة الأشجار، وإنشاء مروج للزهور البرية، وتنظيف المساحات الخضراء بمشاركة الموظفين، إلى جانب ورش العمل البيئية وتوثيق نتائج الأنشطة.
والفكرة الأساسية هي أن المبادرة لا ينبغي أن تكون نسخة مكررة لكل الشركات، بل يجب أن تتناسب مع موقع النشاط، وطبيعة الفريق، وقدراته، والأهداف البيئية للمؤسسة.
ليست تكلفة.. بل استثمار
الشركات التي تتعامل مع المسؤولية الاجتماعية. باعتبارها تكلفة يجب تقليصها إلى الحد الأدنى. تخسر مرتين.
وذلك لأنها تنفق أموالًا على أنشطة لا تحقق أثرًا بيئيًا أو تنظيميًا ملموسًا. وفي الوقت نفسه تفوّت فرصة بناء ثقافة يشعر فيها الموظفون. بأن لعملهم معنى يتجاوز نتائج الربع المالي.
أما الشجرة التي يزرعها فريق الشركة تواصل النمو لعقود. وتوفر الأكسجين، وتساعد على الاحتفاظ بالمياه. وتوفر موطنًا للكائنات البرية.
لكن قيمتها لا تتوقف عند هذا الحد. فالأشخاص الذين شاركوا في زراعتها سيظلون يتذكرون أنهم كانوا جزءًا من شيء حقيقي. وأن عملهم ترك أثرًا يمكن رؤيته بعد سنوات.
بينما لا يستطيع تقرير سنوي أن يصنع هذه التجربة. ولا يمكن لحملة تسويقية أن تحل محل الشعور الذي يبقى لدى الموظف. بعد أن يرى نتيجة ما شارك في صنعه.
المسؤولية الاجتماعية تبدأ في تحقيق قيمتها الحقيقية. عندما تتوقف عن كونها خانة ينبغي للشركة وضع علامة أمامها في التقرير. وتتحول إلى جزء من الطريقة التي ترى بها المؤسسة دورها في العالم.
وفي النهاية. لا تحتاج هذه النقلة إلى إستراتيجية معقدة بقدر ما تحتاج إلى قرار واضح. أن تتوقف الشركة عن السؤال عما يمكن أن تقوله عن مسؤوليتها الاجتماعية. وتبدأ في السؤال عما يمكنها فعله فعلًا.
المصدر الأصلي (هنـــــــا)


