عندما يتعلق الأمر بالتأمل الذاتي، فإن الطريقة التي تصوغ بها الأسئلة التي تطرحها على نفسك يمكن أن تغير تركيز إجاباتك بالكامل.
فبدلًا من طرح أسئلة سلبية أو ساكنة، جرّب طرح أسئلة نشطة تدفعك إلى التفكير فيما يمكنك فعله بنفسك. هذا التغيير البسيط قد يساعدك على اتخاذ خطوات لم تكن لتفكر فيها من قبل.
تعلمت مفهوم «الأسئلة النشطة» من ابنتي كيلي غولدسميث، الحاصلة على درجة الدكتوراه في التسويق السلوكي، والتي تدرّس في كلية كيلوج للإدارة بجامعة نورث وسترن. نعم، أنا أب فخور!
كنا نتناقش حول أحد الألغاز في مجال عملي: لماذا تحقق الشركات الأمريكية عائدًا ضعيفًا للغاية من استثماراتها البالغة 10 مليارات دولار في برامج التدريب التي تستهدف تعزيز مشاركة الموظفين؟
وأوضحت لي ابنتي بصبر أن جزءًا من المشكلة يتمثل في أن الشركات، رغم إنفاقها الضخم على التدريب، قد تنتهي إلى اتباع ممارسات تؤدي إلى إضعاف مشاركة الموظفين بدلًا من تعزيزها.
وتبدأ المشكلة من الطريقة التي تطرح بها الشركات أسئلتها حول مشاركة الموظفين.
وتعتمد معظم الاستبيانات المؤسسية في هذا المجال على ما تسميه كيلي الأسئلة السلبية أو الساكنة؛ أي الأسئلة التي تصف حالة قائمة بالفعل.
فمثلًا، عندما تسأل الموظف: «هل لديك أهداف واضحة؟»، فإن السؤال يدفعه إلى التفكير فيما يتم تقديمه له أو ما تفعله المؤسسة من أجله، بدلًا من التفكير فيما يفعله هو بنفسه.
ثم تنتقل الشركات عادةً إلى الخطوة التالية، فتطلب من الموظفين اقتراح تغييرات يمكن أن تساعد على تحسين الوضع.
ومرة أخرى، تتركز الإجابات على البيئة المحيطة أو العوامل الخارجية.
قد يقول الموظف مثلًا:
«يحتاج المديرون إلى التدريب على كيفية تحديد الأهداف».
«يحتاج التنفيذيون إلى تحسين قدرتهم على التواصل بشأن رؤية الشركة».
لا يوجد خطأ جوهري في طرح الأسئلة الساكنة. فهي يمكن أن تكون أداة مفيدة لمساعدة الشركات على معرفة ما يمكنها فعله لتحسين أوضاعها.
لكنها قد تؤدي أيضًا إلى نتيجة سلبية غير مقصودة.
فعندما تُستخدم هذه الأسئلة بصورة حصرية، يمكن أن تصبح عدوًا طبيعيًا لتحمل المسؤولية الشخصية وإظهار المساءلة.
وقد تمنح الأشخاص إذنًا ضمنيًا لإلقاء المسؤولية على أي شخص أو أي شيء، باستثناء أنفسهم.
فما البديل؟
الأسئلة النشطة هي البديل.
وهناك فرق كبير بين أن تسأل:
«هل لديك أهداف واضحة؟»
وأن تسأل:
«هل بذلت قصارى جهدك لوضع أهداف واضحة لنفسك؟»
السؤال الأول يحاول معرفة الحالة الذهنية للموظف.
أما السؤال الثاني، فيتحداه لوصف ما فعله، أو الدفاع عن المسار الذي اختاره.
وهذا الفارق البسيط في صياغة السؤال يمكن أن يؤدي إلى تغيير كبير في طريقة التفكير والسلوك.
كما شرحت في مقالي «6 أسئلة يومية»، أتحدى نفسي كل يوم من خلال الإجابة عن 32 سؤالًا تمثل سلوكيات أعرف أنها مهمة، لكن من السهل إهمالها تحت ضغط الحياة اليومية.
ومنذ المحادثة مع ابنتي، غيّرت الأسئلة الستة الأولى لديّ وحولتها إلى أسئلة نشطة.
وكان لهذا التغيير البسيط تأثير كبير للغاية.
لقد ساعدني على تغيير سلوكي نحو الأفضل بصورة واضحة، وأصبحت الآن أعلّم جميع عملائي وطلابي هذه الطريقة في التأمل الذاتي بهدف إحداث تغيير إيجابي في السلوك.
6 أسئلة يمكن أن تغير طريقة تفكيرك
هذه هي أسئلتي النشطة الستة:
هل بذلت قصارى جهدي لزيادة سعادتي؟
هل بذلت قصارى جهدي للعثور على معنى؟
هل بذلت قصارى جهدي لأكون منخرطًا ومتفاعلًا؟
هل بذلت قصارى جهدي لبناء علاقات إيجابية؟
هل بذلت قصارى جهدي لوضع أهداف واضحة؟
هل بذلت قصارى جهدي لإحراز تقدم نحو تحقيق أهدافي؟
لاحظ أن كل سؤال يبدأ بعبارة «هل بذلت قصارى جهدي؟».
وهذا هو جوهر الفكرة.
فالسؤال لا يضعك في موقف المتلقي الذي ينتظر أن تتغير الظروف من حوله، وإنما يضعك في موقع الشخص المسؤول عن أفعاله وقراراته.
3 أشخاص بارزين.. وإجابة مفاجئة
في كتابي Triggers، كتبت عن ثلاثة من أذكى الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي:
الدكتور جيم كيم: حصل على درجتي الدكتوراه في الطب والفلسفة من جامعة هارفارد خلال 5 سنوات، في إنجاز قياسي.
الدكتور راج شاه: تولى رئاسة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية «USAID» في سن 37 عامًا، ويشغل حاليًا منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسة روكفلر.
الدكتور جون نوزوورثي: الرئيس التنفيذي السابق لمايو كلينك، أحد أبرز المستشفيات في العالم. الثلاثة أطباء.
وعندما سألت كل واحد منهم:
«في يوم عادي، كيف تقيم نفسك في الإجابة عن سؤال: هل بذلت قصارى جهدي لأكون سعيدًا؟»
أعطوني الإجابة نفسها:
«لم يخطر ببالي قط أن أحاول أن أكون سعيدًا».
تأمل هذه الإجابة قليلًا.
هؤلاء أشخاص حققوا إنجازات استثنائية، ومع ذلك لم تكن السعادة جزءًا من حساباتهم اليومية.
ثم سألتهم:
«هل علموكم عن الموت في كلية الطب؟»
بالطبع كانت الإجابة نعم.
فقلت لهم:
«إذا كنتم تعرفون أنكم ستموتون يومًا ما، فهل تعتقدون أن هذا السؤال سخيف؟»
كانت إجابتهم جميعًا بالنفي.
بل أقر كل منهم بأن السؤال مهم فعلًا، لكنه سؤال نسوا أن يطرحوه على أنفسهم.
السعادة لا تأتي من الخارج
الافتراض الشائع لدى كثير منا هو:
«سأكون سعيدًا عندما…»
عندما أحصل على المزيد من المال.
عندما أحصل على الوظيفة التي أريدها.
عندما أذهب في إجازة.
عندما تهدأ الأمور.
لكن هذا الاعتقاد خاطئ.
أنا أقدم المشورة إلى أصحاب المليارات، وخلال فترة جائحة كورونا كنت أقضي عطلات نهاية الأسبوع مع 60 من أكثر الأشخاص نجاحًا في العالم.
ولو كان المال والنجاح يضمنان السعادة، لكان هؤلاء الأشخاص أسعد الناس على الإطلاق.
لكنهم ليسوا كذلك.
السعادة لا تأتي من المكافآت الخارجية، وإنما تبدأ من الداخل.
وكما قال صديقي صافي باهكال؛ عالم الفيزياء ورائد الأعمال ومؤلف كتاب Loonshots:
«بصفتي عالمًا، كنت أعتقد أن السعادة متغير تابع للإنجاز. أما الآن فأعرف أنهما مستقلان».
يمكنك أن:
تحقق الكثير وتكون سعيدًا.
تحقق الكثير وتكون بائسًا.
تحقق القليل وتكون سعيدًا.
تحقق القليل وتكون بائسًا.
الإنجاز أمر رائع من أجل الإنجاز.
والسعادة أمر رائع من أجل السعادة.
فلا تخلط بين الاثنين.
وقد يكون السؤال الأهم الذي يمكنك طرحه على نفسك اليوم ليس: «هل أنا سعيد؟»، وإنما:
«هل بذلت قصارى جهدي لأكون سعيدًا؟»
فالفرق بين السؤالين ليس في الكلمات فقط، بل في المسؤولية التي يضعها كل منهما بين يديك.


