عندما نتحدث عن “لينكد إن” أول ما يتبادر للذهن هو الشبكة المهنية الرائدة التي تربط ملايين المتخصصين حول العالم، ربما يستخدمها الكثيرون بشكل يومي للتواصل أو البحث عن فرص وظيفية -أو سمعوا عنها كثيرًا دون أن يكونوا جزءًا منها.
لكن ما قد يغيب عن أذهان الكثيرين هو أن وراء هذه المنصة العملاقة يقف ريد هوفمان، رائد الأعمال الأميركي والمستثمر والمذيع والمؤلف الذي أسسها.
في حين يعد ريد هوفمان، أو ريد جاريت هوفمان كما هو اسمه الكامل، أحد أبرز الشخصيات في عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال. بوصفه المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي السابق لشركة لينكد إن. وهي شبكة اجتماعية موجهة للأعمال تستخدم بشكلٍ أساسي للتواصل المهني؛ إذ ترك بصمة لا تمحى في المشهد الرقمي.
وهو حاليًا شريك بارز في شركة رأس المال الاستثماري “جريلوك بارتنرز” ومؤسس مشارك لشركة “إنفيكشن أيه آي”. ما يؤكد دوره المستمر كلاعب محوري في تطوير الابتكار.

الحياة المبكرة والتعليم
وُلد هوفمان في الخامس من أغسطس عام 1967 بمدينة بالو ألتو بولاية كاليفورنيا. وهو المكان الذي يعد مهدًا للعديد من عمالقة التكنولوجيا. ونشأ في مدينة بيركلي بولاية كاليفورنيا، وكان لوالديه: ديانا روث وويليام باركر هوفمان، تأثير كبير في نشأته الفكرية.
تلقى تعليمه الثانوي في مدرسة بتني؛ حيث لم يقتصر اهتمامه على الجانب الأكاديمي فحسب. بل امتد إلى أنشطة فريدة كزراعة القيقب وقيادة الثيران؛ ما يعكس شخصيته متعددة الأوجه.
من ناحية أخرى كانت مسيرته الأكاديمية متميزة؛ إذ حصل على منحة مارشال الدراسية. وهي من أعرق المنح الأكاديمية، ما أهّله للحصول على درجة البكالوريوس في النظم الرمزية والعلوم المعرفية من جامعة ستانفورد في عام 1990.
ولم يتوقف طموحه التعليمي عند هذا الحد، بل تابع مشواره الدراسي ليحصل على درجة الماجستير في الفلسفة من كلية وولفسون بجامعة أكسفورد عام 1993م.
المسيرة المهنية
خلال سنواته الأولى بعد تخرجه في الجامعة كان ريد هوفمان يطمح إلى إحداث تأثير واسع النطاق على العالم. وكان يرى في الأكاديمية فرصة لتحقيق هذا الأثر.
ومع ذلك أدرك لاحقًا أن ريادة الأعمال ستوفر له منهاج عمل أقوى لتحقيق طموحاته. وصرح “هوفمان” ذات مرة قائلًا: “حين تخرجت في ستانفورد كنت أخطط لأن أصبح بروفيسورًا ومفكرًا. ولست أقول هذا اقتباسًا من كانط، بل أقول إني أحمل العدسات التي أنظر من خلالها للمجتمع وأسأل نفسي: من نحن؟ ومن يجب أن نكون كأفراد وكمجتمع؟ وأدركت أن الأكاديميين قد ينشرون كتبًا يقرأها 50 أو 60 شخصًا وأنا أردت أثرًا أكبر”.
وبالإضافة إلى ذلك اتخذ هوفمان مساره في عالم الأعمال والاستثمار؛ حيث بدأ حياته المهنية في شركة أبل عام 1994م. وعمل في “eWorld”، وهي إحدى المحاولات المبكرة لبناء شبكة تواصل اجتماعي.
وبعد استحواذ شركة “AOL” على “eWorld” في عام 1996، انتقل هوفمان للعمل مع شركة فوجيتسو، قبل أن يؤسس شركته الخاصة “SocialNet.com” في عام 1997م.
كانت فكرة هذه الشركة تتمحور حول التعارف والتقاء الأشخاص ذوي الاهتمامات المشتركة، مثل لاعبي الجولف الذين يبحثون عن شركاء في الحي المجاور لهم.
وقال بيتر ثييل؛ أحد زملائه، إن “SocialNet.com” كانت بكل ما تحمله الكلمة من معنى فكرة لم يحن أوانها. إذ بقي موقع تواصل اجتماعي لمدة سبع أو ثماني سنوات قبل أن يصبح الرائد بين الناس.
محطة “باي بال”
بينما كان ريد هوفمان لا يزال يعمل على “SocialNet.com” أصبح عضوًا في مجلس إدارة “باي بال”. وهو موقع يقدم خدمة تحويل الأموال إلكترونيًا.
وفي يناير من عام 2000 ترك “هوفمان” العمل على “SocialNet.com” وانضم إلى “باي بال” بدوام كامل. متوليًا منصب الرئيس التنفيذي للعمليات.
وفي هذا الجانب قالت إيلين بلو؛ التي وظفها هوفمان في باي بال: “كان على باي بال أن تنقب عن كل ميزاتها. وأصبح ريد خبيرًا في أن ينافس بفاعلية في ظل بيئة تنافسية شديدة”.
وفي المقابل كان هوفمان مسؤولًا عن جميع العلاقات الخارجية لـ”باي بال”. بما في ذلك البنية التحتية للمدفوعات (مثل فيزا، ماستركارد، وACH، وويلز فارجو)، وتطوير الأعمال (مثل: إيباي، وإنشوت). إضافة إلى التعامل مع الجهات الحكومية التنظيمية والقضائية والقانونية.
ووصفه بيتر ثييل؛ الذي كان رئيسه في “باي بال”، بأنه “الشخص الذي يحل المشاكل في باي بال لدرجة أنه ينشغل عن وظيفته الأساسية بسبب كثرة مشاكل العمل”. وصل هوفمان إلى منصب نائب الرئيس التنفيذي في الوقت الذي اشترت فيه إيباي “باي بال” بمبلغ 1.5 مليار دولار في عام 2002.
ولادة “لينكد إن”
كانت أبرز إنجازات ريد هوفمان تأسيسه شركة “لينكد إن” في ديسمبر عام 2002. شاركه في التأسيس اثنان من زملائه، أحدهما إيلين بلو، التي كانت زميلته في الدراسة وزميلته في العمل بشركة فوجيتسو. وتم إطلاق الموقع رسميًا في الخامس من مايو عام 2003، ليكون أول موقع تواصل اجتماعي موجه نحو الأعمال على الإطلاق.
واستثمر كل من بيتر ثييل وكيث رابويس -وهما من زملاء هوفمان في باي بال- في لينكد إن؛ ما أضفى ثقلًا على بداياته.
وإلى جانب ذلك شهد “لينكد إن” نموًا هائلًا على مر السنين. وبحلول نوفمبر من عام 2014 كان للمنصة أكثر من 332 مليون مستخدم في 200 مدينة ومقاطعة حول العالم. فالموقع يسمح للمستخدمين بإنشاء ملفاتهم الشخصية والتواصل مع بعضهم البعض، ويمكن لأي مستخدم دعوة أي شخص آخر -سواء كان مستخدمًا للموقع أو لا- للانضمام إلى الشبكة.

معيار يحتذى به في عالم ريادة الأعمال
في النهاية تشكل قصة نجاح ريد هوفمان معيارًا يحتذى به في عالم ريادة الأعمال. إذ لم يقتصر تأثيره على تأسيس لينكد إن كأول شبكة اجتماعية مهنية عالمية. بل امتد ليُثبت الرؤية الثاقبة والطموح اللامحدود لإحداث تحولات جذرية في مفهوم التواصل البشري والمهني. مبرهنًا على أن الابتكار الحقيقي ينبع من إدراك الحاجات غير الملباة وتحويلها إلى فرص عظيمة تغير وجه العالم.


