في النقاشات الدائرة حول المسؤولية الاجتماعية للشركات، يُنظر إليها غالبًا على أنها أداة لتعزيز صورة المؤسسة أو زيادة مشاركة الموظفين في الأعمال التطوعية. لكن هذه النظرة لم تعد كافية في ظل أزمة متنامية تواجه الشركات حول العالم، وهي تراجع اندماج المديرين في أعمالهم.
المفارقة أن هذه الأزمة لا تمثل تحديًا لإدارات الموارد البشرية وحدها، بل قد تكون فرصة استراتيجية أمام إدارات المسؤولية الاجتماعية لإثبات قيمتها داخل المؤسسة.
أزمة لا تخص الموظفين فقط
وتشير أحدث بيانات مؤسسة «غالوب» في تقريرها حالة بيئة العمل العالمية 2026 إلى تراجع نسبة اندماج المديرين في العمل من 30% إلى 22% منذ عام 2022، مع تسجيل أكبر انخفاض خلال العام الأخير وحده.
واللافت أن المديرين، رغم تمتعهم بمستويات معيشية أفضل مقارنة ببقية الموظفين، يعانون معدلات أعلى من التوتر والغضب والحزن والشعور بالوحدة. أو بعبارة أخرى، حياتهم قد تبدو أفضل، لكن أيام عملهم أصبحت أكثر صعوبة.
وهنا تبرز مشكلة لا تستطيع زيادة الرواتب أو تحسين المزايا الوظيفية حلها بمفردها.
فجوة المعنى
أحد أبرز أسباب هذا التراجع يتمثل في فقدان الشعور بالهدف. فقد أظهرت أبحاث «ماكينزي» أن الموظفين الذين يشعرون بأن أعمالهم تحقق هدفًا حقيقيًا يسجلون نتائج في الأداء والرضا الوظيفي تتراوح بين ضعفين وخمسة أضعاف مقارنة بغيرهم.
كما قدرت شركة BetterUp أن الموظف الذي يجد معنى لعمله يحقق إنتاجية إضافية سنوية تقارب 9078 دولارًا مقارنة بمن يفتقد هذا الشعور.
المشكلة أن كثيرًا من المؤسسات تنجح في صياغة رسالتها الإستراتيجية على مستوى الإدارة العليا، لكنها تفشل في ترجمة هذه الرسالة إلى تجربة يومية يعيشها المديرون والموظفون. وهنا يبدأ تسرب الحماس والاندماج.
المسؤولية الاجتماعية ليست حملة علاقات عامة
لطالما اعتُبرت برامج المسؤولية الاجتماعية وسيلة لخدمة المجتمع. لكن الدراسات تشير إلى أنها تحقق أيضًا أثرًا مباشرًا داخل المؤسسة نفسها.
فالأبحاث التي أجراها آدم غرانت حول «الدافع الاجتماعي» أظهرت أن الموظفين الذين يشاهدون الأثر الحقيقي لعملهم على المستفيدين يحققون تحسنًا مستدامًا في الأداء.
كما توصلت دراسات أخرى إلى أن الشركات التي تستثمر بجدية في برامج المسؤولية الاجتماعية تسجل ارتفاعًا في مستويات اندماج الموظفين. هذا مع انخفاض معدلات دوران العمالة بصورة ملحوظة.
وفي دراسة حديثة استندت إلى بيانات أكثر من مليوني موظف، تبين أن المشاركة في برامج التطوع والعطاء داخل الشركات ترتبط بانخفاض معدل الاستقالات بين الموظفين الجدد بنسبة تصل إلى 52%.
المدير هو المستفيد الأول
غالبًا ما يُنظر إلى المدير باعتباره راعيًا لبرامج المسؤولية الاجتماعية. لكنه في الواقع يجب أن يكون أحد المشاركين فيها.
فالمدير الذي يشارك بنفسه في مشروع يخدم المجتمع يعيد اكتشاف معنى عمله بعيدًا عن ضغوط مؤشرات الأداء والاجتماعات اليومية.
ويمنحه ذلك ثلاثة عناصر أساسية تحفز الدافع الداخلي:
– حرية الاختيار.
– الشعور بالكفاءة.
– بناء علاقات إنسانية جديدة.
وعندما يعود إلى فريقه بعد هذه التجربة، يصبح أكثر قدرة على ربط المهام اليومية بهدف أكبر، ليس لأنه تلقى دورة تدريبية، بل لأنه عاش التجربة بنفسه. وهذا ينعكس تدريجيًا على أداء الفريق بأكمله.
لكن المسؤولية الاجتماعية ليست الحل السحري
رغم أهمية برامج المسؤولية الاجتماعية، فإنها لا يمكن أن تحل محل إصلاحات أساسية مثل تحسين بيئة العمل، أو مراجعة أعباء المديرين، أو تطوير أنظمة الحوافز.
فالحديث عن «الهدف» لن يكون مقنعًا إذا كان المدير غارقًا في مؤشرات الأداء، وضغوط التحول الرقمي. وأيضًا متطلبات الذكاء الاصطناعي.
كما أن الإفراط في الأنشطة التطوعية قد يأتي بنتائج عكسية. إذ تشير مراجعات علمية حديثة إلى أن الفائدة تبلغ ذروتها عند مستوى معين، ثم تبدأ بالتراجع إذا تحولت المشاركة إلى عبء إضافي.
تحدٍ يحتاج إلى تغيير الثقافة
ويرى الباحث رون هايفتز أن بعض المشكلات يمكن حلها بخطوات فنية واضحة. بينما تتطلب مشكلات أخرى تغييرًا في السلوك والثقافة. وأزمة اندماج المديرين تنتمي إلى الفئة الثانية.
فلا توجد معادلة رواتب أو برنامج تدريبي قادر وحده على إعادة الحماس إلى المديرين. لكن منحهم فرصة للمشاركة في أعمال ذات أثر مجتمعي حقيقي قد يكون أحد الأساليب القليلة القادرة على إعادة بناء هذا الشعور من الداخل.
قبل أن يسبقكم الآخرون
إذا لم تتحرك إدارات المسؤولية الاجتماعية سريعًا لإعادة تعريف دورها، فإن جهات أخرى ستملأ هذا الفراغ.
وشركات الرفاه الوظيفي، ومنصات التدريب بالذكاء الاصطناعي، وشركات الاستشارات الإدارية، جميعها بدأت بالفعل في تقديم حلول لمعالجة أزمة اندماج المديرين.
بينما تمتلك إدارات المسؤولية الاجتماعية أصلًا يصعب تقليده: القدرة على ربط العمل اليومي بهدف إنساني حقيقي.
ولهذا، ربما حان الوقت للتوقف عن تقديم برامج المسؤولية الاجتماعية باعتبارها «ميزة إضافية» للموظفين، والبدء في التعامل معها كجزء من البنية الأساسية التي تدعم القيادة، وترفع اندماج المديرين. وكذلك تعزز أداء المؤسسات على المدى الطويل.


