أصبح الاستثمار في الاستدامة، منذ إطلاق رؤية 2030، أحد المحاور الأساسية في توجهات المملكة نحو المستقبل، خاصة أن الرؤية تركز، في أحد أبرز محاورها، على فكرة المجتمع المزدهر وهو ما لن يتحقق إلا عبر عدة مسارات أبرزها الاستدامة.
تؤمن المملكة بأن التحول التدريجي للاقتصاد الأخضر يؤدي في النهاية إلى الاستدامة البيئية والتكامل بين الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية للتنمية المستدامة، لا سيما أن الاقتصاد الأخضر هو رؤية بديلة لتحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين حياة الناس بطرق تتماشى مع متطلبات الرفاه البيئي والاجتماعي. ويتمثل أحد المكونات المهمة لاستراتيجية الاقتصاد الأخضر في تعزيز تطوير واعتماد تكنولوجيات مستدامة؛ أي لا سبيل للحديث عن الاقتصاد الأخضر من دون تعزيز الاستثمار في الاستدامة.
وتهدف المملكة إلى المساهمة بنسبة 15% من 10.4 مليار دولار المطلوبة لمشاريع الطاقة النظيفة للصندوق، كما تخطط للاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في 50% من توليد الكهرباء بحلول عام 2030؛ ما يزيل 44 مليون طن من انبعاثات الكربون بحلول عام 2035.
وتساهم المملكة، على صعيد تعزيز الاستثمار في الاستدامة والدفع بها قُدمًا، بنحو 2.5 مليار دولار في مبادرة خضراء بالشرق الأوسط على مدى السنوات العشر المقبلة.
اقرأ أيضًا: 4 طرق لتعزيز دور المسؤولية الاجتماعية في رمضان
خفض الانبعاثات الكربونية
يهدف صندوق الاستثمارات العامة في المملكة إلى تحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، حسب تصريحات صحفية لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود؛ ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله.
وتهدف مبادرة الشرق الأوسط الخضراء إلى تقليل انبعاثات الكربون من إنتاج الهيدروكربونات الإقليمي بأكثر من 60%.
وتخطط المبادرة كذلك، وهذا جزء من الاستثمار في الاستدامة، لزراعة 50 مليار شجرة عبر الشرق الأوسط واستعادة مساحة تعادل 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة. وسوف تساعد المبادرة في خفض مستويات الكربون العالمية بنسبة 2.5%.
وتضمنت المبادرة أيضًا زراعة 10 مليارات شجرة مروية بمياه الصرف الصحي المعالجة غير المستغلة بقيمة 1528.49 مليون متر مكعب، بقيمة 2.094 مليار ريال.
الفضاءات الخضراء والتهيئة البيئية
ولكي تعمل المملكة على تعزيز الاستثمار في الاستدامة وتحفيز المستثمرين في هذا المجال كان لزامًا عليها أن تتوسع في الفضاءات الخضراء من جهة، وأن تهيئ البيئة المواتية لمثل هذه النوعية من الاستثمارات.
وكشفت إحصائيات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء أن مساحات المساحات الخضراء والمتنزهات والحدائق في قطاع البلديات توسعت بنسبة 9% خلال عام 2021 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2020.
وأشارت الهيئة إلى أن احتياطيات الأراضي الزراعية توسعت لتصل إلى 324 ألف كيلو متر مربع في عام 2021، وتشكل 16% من إجمالي مساحة المملكة العربية السعودية.
ولفتت إلى أن ذلك جاء بعد أن خصصت الحكومة السعودية 7 محميات ملكية في 2018 و5 محميات في العلا عام 2019، فيما بلغت مساحة المحميات البحرية أكثر من 12 كيلو مترًا مربعًا في عام 2021.
كما أشارت الهيئة إلى أن النفايات الصناعية المعاد تدويرها شكلت 62% من كمية النفايات المجمعة في الجبيل وينبع عام 2021.
وقالت الهيئة العامة للإحصاء إن حجم المياه المعالجة المعاد استخدامها بلغ 419 مليون متر مكعب في عام 2021 بزيادة قدرها 24% مقارنة بعام 2020. وبلغت نسبة المياه المعالجة المعاد استخدامها في عام 2021 نحو 22% من إجمالي المياه المعالجة.
وبلغ عدد محطات معالجة المياه العادمة 133 محطة في عام 2021، مسجلة زيادة بنسبة 15% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022.
وذكر التقرير الصادر عن الهيئة أن الرياض لديها أكبر عدد من محطات معالجة مياه الصرف الصحي بعدد 26 محطة، تليها منطقة عسير بـ 20 محطة، والمنطقة الشرقية (الشرقية) بـ 19 محطة.
اقرأ أيضًا: الدور الاجتماعي للمملكة في رمضان.. عطاء متواصل
فرص النمو والاقتصاد الأخضر
كان البنك الدولي قد تطرق في تقرير له إلى الاستثمار في الاستدامة بالمملكة ومنطقة الخليج ككل، ناهيك عن الإشارة إلى الفرص الكامنة في هذا القطاع.
قال عصام أبو سليمان؛ المدير الإقليمي للبنك الدولي لدول مجلس التعاون الخليجي: “هناك فرصة ممتازة وفي الوقت المناسب لتنويع الاقتصاد بشكل أكبر باستخدام استراتيجية النمو الأخضر، ولعب دور رائد في التحول العالمي إلى اقتصادات منخفضة الكربون”.
وأضاف “يمكن للمنطقة استخدام التحول إلى النمو الأخضر لتركيز السياسات على تطوير التقنيات الخضراء والعمالة الماهرة المرتبطة بها، والتي من شأنها عكس الاتجاهات في الإنتاجية وتمكين المنطقة من النمو بشكل أسرع”.
وتوقع التقرير الصادر عن البنك الدولي، الذي يحمل عنوان “فرص النمو الأخضر في دول مجلس التعاون الخليجي”، أنه إذا استمرت دول مجلس التعاون الخليجي في العمل كالمعتاد فإن الناتج المحلي الإجمالي المشترك سينمو إلى 6 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2050.
ومع ذلك إذا نفذت دول مجلس التعاون الخليجي استراتيجية النمو الأخضر التي من شأنها دعم وتسريع التنويع الاقتصادي يمكن أن يكون للناتج المحلي الإجمالي القدرة على النمو إلى أكثر من 13 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2050.
يسلط التقرير كذلك الضوء على حجم السوق القابل للتوجيه إلى النمو الأخضر (ومن ثم توليد فرص الاستثمار في الاستدامة) مع التركيز على القطاعات الرئيسية في المنبع والمصب للاقتصاد الأخضر، بما في ذلك: الطاقة المتجددة والمباني الخضراء والنقل المستدام وإدارة المياه وإدارة النفايات، بالإضافة إلى ذلك فإنه يغطي التمويل الأخضر كعامل تمكين حاسم للاستثمارات الجديدة.
يتماشى التركيز على النمو الأخضر الاستثمار في الاستدامة بمنطقة الخليج تمامًا مع رؤية دول مجلس التعاون الخليجي التي تحدد صورة لاقتصاد المستقبل الذي يعتمد بشكل متزايد على القطاع الخاص الذي يلعب دورًا رائدًا في الاستثمار وتوليد فرص العمل وإضافة القيمة.
اقرأ أيضًا: البعد الاقتصادي للمسؤولية الاجتماعية.. آفاق أرحب
الاستثمار في الاستدامة
إذا كنا نتحدث عن الاستثمار في الاستدامة فلنعلم أن هناك الكثير من المشاريع الرائدة في هذا الصدد، فمشروع رابغ، قدرته 300 ميجا وات، واحد من أوائل مشاريع الطاقة المتجددة، وهو يعتمد على تمويل من وكالة ائتمان الصادرات، كما قدم بنك التعاون الدولي الياباني حجم تمويلات يصل إلى حوالي 78 مليون دولار، والذي تم دمجه مع شريحة تسهيل إسلامية.
وتخطط المملكة العربية السعودية لتوليد 50% من الكهرباء من مصادر نظيفة بحلول عام 2030. وسيتم تنفيذ ذلك من خلال مسارات تكميلية تتبعها كل من وزارة الطاقة ووزارة الصناعة والثروة المعدنية، والتي طرحها مكتب تطوير مشاريع الطاقة المتجددة، والذي سيشرف على شراء 30% من هذه القيمة المستهدفة.
ومن المقرر أن يقدم صندوق الاستثمارات العامة في المملكة نسبة الـ 70% المتبقية من خلال المفاوضات المباشرة مع المستثمرين في محاولة لتطوير مشاريع بحجم جيجا.
ومن جانبها تعهدت نيوم، المدينة الضخمة قيد الإنشاء في المملكة والتي تبلغ تكلفتها 500 مليار دولار، بإعادة تأهيل 1.5 مليون هكتار من الأراضي وزراعة 100 مليون شجرة وشجيرة وأعشاب محلية بحلول عام 2030.
ويخطط صندوق الاستثمارات العامة لاستثمار أكثر من 10 مليارات دولار بحلول عام 2026 في مشاريع خضراء مؤهلة، بما في ذلك الطاقة المتجددة والنقل النظيف والإدارة المستدامة للمياه، وكل ذلك لن يعزز من الاستثمار في الاستدامة في المملكة فحسب، بل سيجعلها قبلة لأولئك الراغبين في العمل بهذا المجال أو إطلاق مشاريع خضراء مستدامة.
اقرأ أيضًا: إنتاج الهيدروجين الأخضر في المملكة.. خطط طموحة لقيادة القطاع
المستقبل الأخضر
وبما أننا نتحدث عن الاستثمار في الاستدامة فليس بوسعنا تجاهل مبادرة السعودية الخضراء التي لا تعمل فقط على تحقيق الأهداف المناخية، ولكنها أيضًا توجه المملكة بثبات لتصبح رائدة عالميًا في تبني مستقبل أخضر، وقبلة لهذا النوع المستدام من الاستثمار.
ومن احتضان الطاقة المتجددة واعتماد تقنيات احتجاز الكربون، إلى جانب رؤية لتصبح أكبر مصدر للهيدروجين في العالم، فإن المملكة أمامها طريق طويل لضمان تعزيز الاستثمار في الاستدامة بجميع القطاعات.
وكان صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية قد أتم، في وقت سابق، إصداره الأول من السندات الخضراء بقيمة 3 مليارات دولار؛ حيث باع 1.4 مليون طن من الكربون.
وفي نوفمبر الماضي وقعت وزارة الطاقة السعودية اتفاقية مع شركة أرامكو السعودية لتطوير واحد من أكبر مراكز احتجاز الكربون وتخزينه المخطط لها في العالم.
والمصنع من المقرر افتتاحه عام 2027 في مدينة الجبيل الصناعية، ويخزن 9 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا في مرحلته الأولية. وتهدف المملكة إلى تخزين 44 مليون طن سنويًا بحلول عام 2035.
علاوة على ذلك خلال مؤتمر COP27 أعلنت المملكة العربية السعودية أيضًا عن ثلاثة مشاريع تجريبية أخرى لاحتجاز الكربون تشمل: جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا، مدينة نيوم الذكية، الشركة السعودية للكهرباء، شركة أسمنت الصفوة، معادن، جلف كرايو.
ومع تحرك المملكة العربية السعودية نحو الاستثمار في الاستدامة وصنع مستقبل أخضر مستدام من المتوقع أن تتبع المزيد من الدول نفس مسار المملكة؛ ما يساعد كوكب الأرض في استعادة بهائه أو على الأقل إنقاذه من هلاك محقق لولا هذه الجهود.
اقرأ أيضًا من رواد الأعمال:
ما هو هرم كارول للمسؤولية الاجتماعية؟
المساعدات الإنسانية.. عطاء متواصل من مملكة الخير
لماذا تهتم الشركات بالاستدامة الاجتماعية؟
القطاع غير الربحي في المملكة.. سبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية
نظريات المسؤولية الاجتماعية.. رؤى وتصورات


