لم يعد تغير المناخ قضية بيئية فحسب، بل أصبح عاملًا اقتصاديًا واستثماريًا لا يمكن تجاهله.
ومع تزايد تحذيرات العلماء من الآثار السلبية لارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الطقس في النظم البيئية والاقتصادات وسبل معيشة البشر، بدأ عدد متزايد من المستثمرين التفكير في كيفية انعكاس المخاطر البيئية والاجتماعية المرتبطة بالمناخ على محافظهم الاستثمارية.
ومن واقع عملي في تصميم محافظ استثمارية تستهدف تحقيق أثر اجتماعي وبيئي إيجابي، أرى أن المستثمرين لا يقفون موقف المتفرج أمام أزمة المناخ، بل يمكنهم أن يؤدوا دورًا في دعم التحول نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على الكربون، مع الاستفادة في الوقت نفسه من الفرص التي يولّدها هذا التحول.
وفي رأيي، هناك 4 مخاطر رئيسة يفرضها تغير المناخ على الشركات، يمكن أن تتحول في المقابل إلى فرص استثمارية.
1. أضرار المباني والعمليات
تفرض الظواهر الجوية المتطرفة، مثل الفيضانات، مخاطر مباشرة على المباني والمعدات والإمدادات، وقد تكون تكلفة الأضرار الناتجة عنها باهظة.
ولا تتوقف الخسائر عند الأصول المتضررة. إذ يمكن لهذه الكوارث أن تعطل عمليات الإنتاج وسلاسل الإمداد، سواء بسبب توقف المصانع أو عدم قدرة الموظفين على الوصول إلى أماكن العمل.
لكن هذا الخطر نفسه يفتح الباب أمام فرص استثمارية جديدة. حيث يمكن للمستثمرين النظر إلى الشركات التي تقدم منتجات أو خدمات تساعد على رفع كفاءة المباني والمنازل وتعزيز قدرتها على مواجهة الظروف المناخية القاسية.
ويشمل ذلك الشركات التي تعمل على تحديث المباني القائمة أو تدعيم البنية التحتية للطاقة، إلى جانب الشركات المنخرطة في مشروعات بناء وبنية تحتية جديدة تراعي كفاءة استخدام الطاقة والقدرة على الصمود أمام الظواهر الجوية المتطرفة.
وهنا يتحول تغير المناخ من مجرد مصدر للخسائر إلى عامل يدفع نحو إعادة تشكيل قطاعات كاملة من الاقتصاد.
2. الأصول العالقة
مع تحول الطلب على الطاقة تدريجيًا نحو مصادر أقل انبعاثًا للكربون، تواجه شركات النفط والغاز والفحم خطرًا آخر يتمثل في احتمال بقاء احتياطيات الوقود الأحفوري لديها دون استخدام كامل قيمتها المتوقعة.
وتُعرف هذه الأصول باسم «الأصول العالقة»، وهي أصول قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها نتيجة التحولات في السياسات أو التكنولوجيا أو الطلب أو تفضيلات المستهلكين.
بالنسبة إلى المستثمر، لا يعني ذلك بالضرورة الابتعاد عن قطاع الطاقة بالكامل، بل يمكن البحث عن الشركات التي تتكيف مع التحول في مزيج الطاقة بدلًا من مقاومته.
وقد تكون هناك فرص في شركات الطاقة والتعدين كثيفة الانبعاثات التي بدأت بالفعل في بيع احتياطيات قائمة، وفي الوقت نفسه توجيه استثماراتها نحو منتجات أكثر كفاءة في استخدام الطاقة أو بدائل منخفضة الكربون.
كما يمكن للمستثمرين النظر بصورة مباشرة إلى قطاعات وتقنيات تستفيد من التحول إلى اقتصاد أقل اعتمادًا على الكربون، مثل الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وتخزين البطاريات والهيدروجين وتقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه.
وربما تستفيد هذه الصناعات من تزايد الدعم الحكومي وارتفاع الطلب مع تسارع التحول العالمي نحو مصادر طاقة أقل كثافة في الانبعاثات.
3. المخاطر المرتبطة بالسمعة
تغير المناخ لا يهدد الشركات من خلال الأضرار المادية فقط، وإنما يمكن أن يتحول أيضًا إلى خطر على سمعتها.
فالمستهلكون قد يعاقبون شركة متورطة في أزمة بيئية، مثل شركة نفط وغاز مسؤولة عن تسرب نفطي في البحر، أو شركة ملابس تتعرض لانتقادات بسبب التلوث المفرط الناتج عن صناعة المنسوجات.
وفي مثل هذه الحالات يتحول الغضب الشعبي إلى تراجع في المبيعات والإيرادات، فضلًا عن تداعيات قانونية ومالية أخرى.
لذلك، أرى أن تقييم الشركات لا ينبغي أن يقتصر على المؤشرات المالية التقليدية. فمن المهم أيضًا النظر إلى أولوياتها البيئية والاجتماعية، ومدى التزامها بالممارسات المستدامة.
ويمكن أن يشمل ذلك الإفصاحات المناخية للشركة، وبصمتها الكربونية، وطريقة استخدامها للموارد الطبيعية وإدارتها للنفايات.
كما يمكن تقييم جوانب اجتماعية وحوكمية، مثل كفاءة العمليات، وسلامة الموظفين، وتنوع مجالس الإدارة والإدارة العليا.
ولا يعني ذلك أن كل شركة لديها بصمة بيئية كبيرة يجب استبعادها من المحفظة، وإنما يعني أن المستثمر بحاجة إلى فهم المخاطر التي قد تواجهها الشركة إذا لم تتكيف مع التغيرات في توقعات المستهلكين والسياسات والبيئة التنظيمية.
4. الضغط على الموارد الطبيعية
يمثل نقص المياه الصالحة للشرب والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية والإمدادات الغذائية خطرًا اقتصاديًا مباشرًا على العديد من الشركات.
وتقدم الزراعة مثالًا واضحًا على ذلك. ففي الولايات المتحدة تؤثر موجات الحر والجفاف بشدة في إنتاج محاصيل مثل الذرة والقمح وفول الصويا والقطن.
وتشير تقديرات إلى أن صافي دخل المزارع ينخفض بنحو 66% مقابل كل ارتفاع قدره درجة مئوية واحدة في درجات الحرارة.
هذه التأثيرات لا تقتصر على المزارعين، وإنما تمتد إلى الشركات وسلاسل الإمداد والاقتصادات التي تعتمد على هذه الموارد.
ومن هنا، يمكن للمستثمرين البحث عن الشركات التي تساعد على رفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتطوير البنية التحتية القادرة على الصمود، وتعزيز أمن الغذاء والمياه، ودعم الزراعة المستدامة.
لكن الفرصة الاستثمارية لا تعني تجاهل المخاطر. فمن الضروري دراسة الشركات التي تعتمد عملياتها على مناطق معرضة لنقص المياه أو الغذاء، وتقييم ما إذا كانت هذه المخاطر أصبحت أكبر من أن يمكن استيعابها.
المناخ يعيد رسم خريطة الاستثمار
أرى أن تغير المناخ أصبح أحد أهم العوامل التي ستحدد شكل الاقتصاد والاستثمار خلال السنوات المقبلة. فهو يفرض مخاطر حقيقية على الصحة العالمية والأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة، لكنه في الوقت نفسه يولّد سوقًا ضخمة للتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وهذا التحول يفرض على المستثمر أن ينظر إلى المخاطر المناخية بطريقة مختلفة. فالأمر لا يتعلق فقط بسؤال: «ما الشركات التي قد تتضرر من تغير المناخ؟»، بل أيضًا بسؤال أكثر أهمية: «ما الشركات التي تساعد الاقتصاد على التكيف معه؟».
في النهاية، يمكن للمستثمرين الذين يدرسون هذه التحولات بعناية أن يجدوا فرصًا في قطاعات تتراوح بين الطاقة النظيفة والبنية التحتية المرنة وكفاءة الموارد والأمن الغذائي والمائي.
وتغير المناخ ليس مجرد تحدٍ بيئي، بل عملية اقتصادية واسعة تعيد توزيع رأس المال وتغير طبيعة المخاطر وتفتح أسواقًا جديدة.
ومن يقرأ هذه التحولات مبكرًا قد يكون أكثر قدرة على حماية محفظته والاستفادة من الفرص التي تنشأ مع الانتقال إلى اقتصاد أقل اعتمادًا على الكربون.
بقلم/ إميلي توماس؛ رئيسة الاستثمار المؤثر.
المقال الأصلي (هنــــــــا)


