على مدى عقود من تاريخ الإدارة الحديثة، كان أمام القادة مسار واضح وشديد البساطة؛ إما التفاني في صقل أداء اليوم، أو التفرغ لبناء آفاق الغد. أما اليوم، وفي قلب المشهد السعودي المتغير بسرعة، يبدو أن هذا الفاصل التقليدي قد تلاشى كليًا؛ إذ يتعين على القادة العمل على المسارين جنبًا إلى جنب، وبأحجام ووتيرة نادرًا ما شهدتها كبرى المؤسسات من قبل.
ونلمس هذا التحول يوميًا في كلية لندن لإدارة الأعمال من خلال شراكاتنا مع مختلف الجهات في المملكة؛ حيث تخوض المؤسسات تحدي إعادة رسم ملامح أعمالها الحالية، بالتوازي مع الابتكار في إيجاد قطاعات وقدرات وأنماط عمل حديثة كليًا معتمدةً على الكوادر ذاتها، وتحت الضغط المستمر لتحقيق التميز في العمليات اليومية.
وتتجسد أبعاد هذه الطموحات الاستثنائية في مستهدفات رؤية السعودية 2030، الرامية إلى القفز بمساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 40% إلى 65%، واستحداث 1.2 مليون فرصة عمل للكوادر الوطنية، وتطوير قطاعات السياحة والترفيه والصناعات المتقدمة والخدمات المالية. وقد صُممت معظم نماذج القيادة التقليدية إما لتحقيق الاستقرار أو لإدارة فترات التغيير، إلّا أن القليل منها فقط صُمم ليجمع بين الجانبين معًا، بهذه الوتيرة وهذا النطاق.
الفجوة في أنماط القيادة التقليدية
إن جانبًا كبيرًا من أدوات الإدارة التقليدية، التي بُنيت حول دورات التخطيط الإستراتيجي، والمساءلة الهرمية، والافتراض بوجود بيئة عمل مستقرة نسبيًا، قد صُمم لعالم لم يعد موجودًا؛ فالأساليب التي نجحت بفاعلية عندما كان الهدف هو تحسين أداء مؤسسة راسخة، أصبحت أقل ملاءمة للقادة الذين يتعين عليهم الحفاظ على الأداء الحالي وبناء قدرات جديدة بالكامل في الوقت ذاته.
إن ما تتطلبه رؤية السعودية 2030 ليس مجرد نسخة محدثة من أنماط القيادة التقليدية؛ فمن واقع خبرة واسعة تمتد لعقد من العمل مع القادة في جميع أنحاء المملكة، توجد أربع قدرات رئيسية تميز بشكل مستمر القادة الذين يقودون هذا التحول بنجاح عن غيرهم.
وتبرز أولًا القدرة على تحقيق المواءمة بين الأطراف المعنية في القطاعين الحكومي والخاص والمنظومات المؤسسية، وجمعها حول أهداف متغيرة بسرعة تتجاوز حدود القطاعات والمؤسسات. يليها الانضباط في تحقيق التوازن بين التحول طويل الأجل والأداء اليومي، مع الإدراك التام لأهمية كل منهما وعدم إعطاء الأولوية لأحدهما على حساب الآخر.
ثالثًا تأتي القدرة على القيادة الفعالة ضمن منظومات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتي أصبحت أكثر تكاملًا وأهمية مما تدرب عليه معظم المسؤولين التنفيذيين. أما رابعًا، فهو الالتزام المتواصل بتنمية الكفاءات البشرية، إدراكًا بأن الاستثمار في البنية التحتية ورأس المال يجب أن يرافقه استثمار مماثل في القدرات القيادية.
وتترسخ هذه القدرات بأفضل صورة عندما يتمكن القادة من تطبيقها في سياق التحديات المؤسسية الفعلية، عبر الجمع بين الخبرة العملية والتعلم المنهجي. وهنا تشهد برامج التعليم التنفيذي تطورًا متزايدًا لتتجاوز حدود القاعات الدراسية، بما يتيح الفرص للقادة لاختبار الأفكار، والتعلم من أقرانهم، وتطبيق المنهجيات الجديدة مباشرة في بيئات عملهم الفعلية.
ولا يقتصر نموذج القيادة الجديد على مجموعة من التكتيكات فحسب، بل يقدم تحولًا جذريًا في التوجه نحو التطوير المستمر، والتعاون الموزّع، والقدرة على إدارة التعقيدات دون اللجوء إلى القواعد الثابتة المعتادة. وما يميز هذا النموذج عن المنهجيات التقليدية هو ضرورة تطوير هذه القدرات الأربع معًا، تحت الضغط، وفي بيئة أعمال دائمة التغير.
ما تغفله نماذج تطوير القيادة التقليدية
لم تُصمم العديد من نماذج تطوير القيادة التقليدية لبيئات تتغير بهذه الوتيرة وعلى هذا النطاق. وبينما طُوّرت العديد من الأساليب المعتمدة في أسواق ناضجة وبيئات أعمال مستقرة نسبيًا، تدرك برامج اليوم بشكل متزايد أن التحول يتطلب أشكالًا مختلفة من التعلم.
وفي المملكة العربية السعودية، يعني هذا مساعدة القادة على التعامل مع تحديات توطين القوى العاملة، والديناميكيات الخاصة بالتحولات المدعومة من الصناديق السيادية، وتحدي بناء القدرات القيادية في قطاعات لم تكن موجودة قبل خمس سنوات. كما يعني ذلك إيجاد تجارب تعليمية تجمع بين الرؤى العالمية والسياق الإقليمي؛ ما يتيح للقادة استكشاف استجابات عملية للقرارات المعقدة التي يواجهونها يوميًا.
وهنا تبرز أهمية التعاون الوثيق بين المؤسسات والجهات التعليمية؛ فبدلاً من تقديم برامج نمطية موحدة، تُبنى الشراكات الأكثر فاعلية حول الأولويات الإستراتيجية المحددة للمؤسسة، بهدف تحقيق التكامل بين الأبحاث، والتطبيق العملي، والتوافق مع السياق المحلي.
عقدٌ من الحضور في السعودية
لأكثر من 10 سنوات، عملت كلية لندن لإدارة الأعمال جنبًا إلى جنب مع أبرز المؤسسات في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية؛ ما أتاح لنا الفرصة لتعميق فهمنا للتحديات القيادية التي فرضتها رؤية السعودية 2030. وقد قدمت تلك التجربة درسًا مهمًا؛ أنه رغم اختلاف مسار التحول من مؤسسة لأخرى، إلا أن العديد منها يواجه أسئلة مشتركة حول بناء القدرات القيادية، وتطوير المواهب، واستدامة التغيير المؤسسي على المدى الطويل.
ولهذا السبب يُعد التواجد الفعلي في السوق أمرًا جوهريًا، ليس كفصل تجاري عابر، بل كالتزام فكري ورغبة حقيقية في إحداث أثر مستدام. ويجسد افتتاح مكتبنا للتعليم التنفيذي مؤخرًا في الرياض، إلى جانب تعاوننا مع المركز الوطني للتنافسية من أجل تطوير دراسات حالة منبثقة من السياق المحلي، قناعتنا بأن الفهم الحقيقي لهذا التحول يستلزم العمل من داخله.
ختامًا، لا تقتصر رؤية السعودية 2030 على رسم ملامح جديدة للقطاعات، بل تعيد صياغة متطلبات القيادة بحد ذاتها. ولن تقتصر المؤسسات الناجحة على تلك التي تمتلك أفضل الإستراتيجيات أو أكبر قدر من رأس المال، بل ستكون تلك القادرة على تمكين قادة ينجحون في التعامل مع التعقيدات، وبناء القدرات لدى الآخرين، وتحقيق استدامة مسيرة التحول على المدى الطويل.
ومع مضي المملكة قدمًا في المرحلة الجديدة من مسيرة التنمية، ستصبح القدرات القيادية واحدة من أهم الأصول الإستراتيجية لتحقيق مستهدفاتها في مختلف المجالات.
بقلم: تيم لاندوتشي؛ رئيس مكتب كلية لندن لإدارة الأعمال في السعودية


