تسابق شركات العملات المشفرة وأجهزة إنفاذ القانون الزمن لاستعادة أصول رقمية تتجاوز قيمتها 6 مليارات دولار، سُرقت من منصة بينانس، قبل أن يتمكن القراصنة من إخفاء مسارات الأموال وتحويلها إلى عملات تقليدية.
وقال خبراء تحدثوا إلى شبكة «سي إن بي سي» إن الشركات تواجه ما وصفوه بـ«لعبة القط والفأر» مع قراصنة يُشتبه في ارتباطهم بكوريا الشمالية. إذ يستخدم هؤلاء مزيجًا من تقنيات إخفاء مسارات معاملات العملات المشفرة وشبكات احترافية لغسل الأموال على مستوى العالم، بهدف تحويل الأصول الرقمية إلى عملات نقدية تقليدية.
وتسلط هذه التحركات الضوء على مدى صعوبة استعادة الأموال المسروقة عقب اختراق منصات العملات المشفرة.
وقال آري ريدبورد؛ الرئيس العالمي للسياسات في شركة «تي آر إم لابس»، إحدى الشركات التي تحقق في اختراق بينانس، لشبكة «سي إن بي سي» يوم الجمعة: «في نهاية المطاف، يحاول القراصنة تحويل العملات المشفرة إلى عملات نقدية تقليدية، وهنا تكمن الصعوبة، إذ يتحول الأمر إلى سباق مع الزمن».
وتعهدت «بينانس» بتغطية الخسائر من خلال صندوق الأصول الآمنة للمستخدمين التابع لها.
ونسبت شركتا «تي آر إم لابس» و«تشين أناليسيس» اختراق بينانس إلى مجموعة قرصنة مدعومة من الدولة في كوريا الشمالية، تُعرف باسم «تريدر تريتور»، ولها سجل سابق في تنفيذ هجمات إلكترونية تستهدف قطاع العملات المشفرة.
تجميد العملات المستقرة
وعقب الاختراق، تحرك عدد من الجهات المصدرة للعملات المستقرة. من بينها شركة «سيركل» المصدرة لعملة «يو إس دي سي»، وشركة «تيثر» المصدرة لعملة «يو إس دي تي»، لتجميد الأموال المتأثرة بالحادث.
والعملات المستقرة هي أصول رقمية ترتبط قيمتها بعملة تقليدية، مثل الدولار، بنسبة واحد إلى واحد، وتكون مدعومة بأصول مثل السندات الحكومية أو العملات النقدية.
وتقدر «بينانس» أن نحو 3 مليارات دولار من العملات المشفرة جرى تجميدها حتى الآن.
وكان بإمكان الجهات المصدرة للعملات المستقرة إتلاف الرموز المجمدة وإصدار رموز جديدة بدلاً منها، بما يتيح استعادة تلك الأموال المحتجزة. وفي هذا السيناريو، كانت شركة مثل «سيركل». أو «تيثر» ستلغي العملات المستقرة المجمدة. وتجعلها غير قابلة للاستخدام من جانب القراصنة. ثم تصدر عملات جديدة يمكن الاحتفاظ بها لدى جهة حكومية مختصة. قبل إعادتها إلى بينانس.
لكن القراصنة سبقوا هذه الخطوة. إذ سارعوا إلى بيع عملات «يو إس دي تي» إلى صناع السوق، واقترضوا عملة إيثيريوم مقابل تلك العملات المستقرة. وفقًا لشركة «تي آر إم لابس».
ويصعب تجميد عملة إيثيريوم مقارنة بالعملات المستقرة. ما يعني أن الجهة التي أقرضت القراصنة هذه العملة. ستظل حائزة على العملات المستقرة المسروقة.
وقال جو هانكوك؛ الشريك ورئيس قسم مخاطر الأمن السيبراني والتحقيقات المعقدة في مكتب المحاماة «ميشكون دي ريا»: «كان المهاجمون يعلمون أن هذا المسار سيُغلق أمامهم. ولذلك تحركوا مسبقًا لتفادي ذلك».
إخفاء مسارات الأموال المسروقة
واستخدم القراصنة أساليب متطورة للتهرب من أجهزة إنفاذ القانون، ومنع السلطات من مصادرة نحو 3 مليارات دولار لا تزال متبقية من الأموال المسروقة.
وتعمل العملات المشفرة عبر شبكات بلوك تشين، وهي سجلات عامة للمعاملات. ما يسمح للشركات المتخصصة في التحليل الجنائي للعملات المشفرة بتتبع انتقال الأصول بين المحافظ الرقمية المختلفة. ولذلك يلجأ القراصنة إلى تقنيات متعددة لتضليل المحققين وإخفاء مسارات الأموال.
ومن بين هذه الأساليب خدمات خلط العملات المشفرة، التي تعمل على دمج الأموال الواردة من مستخدمين مختلفين. بما يجعل تتبع مصدرها ومسار انتقالها أكثر صعوبة.
لكن جوناثان ليفين؛ الرئيس التنفيذي لشركة «تشين أناليسيس»، قال لشبكة «سي إن بي سي»: «إنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على استخدام القراصنة هذه الخدمات».
وبدلًا من ذلك، رصدت شركته «أنماطًا لغسل الأموال لم نشهدها من قبل». إذ يستخدم القراصنة أنظمة آلية لتحويل الأموال ذهابًا وإيابًا بين محافظ رقمية مختلفة، بهدف تضليل المحققين وإرباك عمليات التتبع.
وكتبت «تشين أناليسيس» في تدوينة على موقعها الإلكتروني: «بدلًا من الاكتفاء بنقل الأموال إلى وجهات أخرى، يعيد المهاجمون تدويرها مرارًا بين عناوين مختلفة، وغالبًا ما يرسلون الأموال مجددًا إلى عناوين شاركت في مراحل سابقة من سلسلة التحويلات».
وإذا استبدل القراصنة العملات المستقرة بعملات مشفرة أخرى مثل بيتكوين وإيثيريوم، فلن يكون من الممكن تجميد هذه الأصول.
وقال «ليفين» إن القراصنة نقلوا مبالغ كبيرة إلى عناوين مختلفة على شبكة «ترون»، وهي إحدى شبكات بلوك تشين.
وأضاف: «لدينا فرق تعمل على مدار الساعة لمواصلة تتبع هذه التحويلات. ولدينا الآن أيضًا آليات آلية لتتبعها، فالأمر لا يقتصر على العمل اليدوي».
ومن شأن هذه الأساليب أن تجعل تتبع العملات المشفرة المسروقة أكثر صعوبة، لكن «ريدبورد» قال إن شركته تحقق تقدمًا متواصلًا في تحديد هذه التقنيات والتعامل معها.
وأضاف: «إنها لعبة قط وفأر مستمرة. إذ يحاول الأطراف المخالفون إخفاء معاملاتهم؛ بينما نحاول نحن تتبعها وتعقب مساراتها».
شبكات عالمية لغسل الأموال
يتزايد اعتماد القراصنة على منظمات صينية متخصصة في غسل الأموال لتحويل العملات المشفرة إلى عملات نقدية تقليدية. وفقًا لـ «ليفين» من «تشين أناليسيس» وريدبورد من «تي آر إم لابس».
وقال «ريدبورد»: «لذلك، لا نلاحق بالضرورة القراصنة الكوريين الشماليين على شبكة بلوك تشين فقط، بل غالبًا ما نلاحق شبكات غسل الأموال الاحترافية هذه».
ويشير مصطلح «على السلسلة» إلى المعاملات المسجلة على شبكات بلوك تشين. بينما يشير مصطلح «خارج السلسلة» إلى المعاملات التي لا تُسجل على هذه الشبكات، وقد يكون ذلك لأنها تتضمن عملات نقدية تقليدية.
وأوضح «ليفين» أن منظمات غسل الأموال تعرض شراء العملات المشفرة المسروقة مباشرة من حائزيها مقابل عمولات كبيرة. ثم تتولى غسل الأموال وإعادتها إلى القراصنة، ربما في صورة عملات مستقرة، يمكن تحويلها بعد ذلك إلى عملات نقدية تقليدية.
وعندما تصل الأموال إلى هذه المرحلة، تصبح استعادتها أكثر صعوبة. وقال «ليفين»: «كلما ابتعدت الأموال أكثر عن مصدرها، تراجعت فرص مصادرتها واستعادتها».


