يبدو النجاح طويل الأمد وكأنه الكأس المقدسة الذي يسعى خلفه كل مؤسس طموح يسعى لتشييد شركات قادرة على الصمود لعقود. لكن، يشدد المستثمر والمؤلف إريك بيكر على أن السر الحقيقي لتحقيق هذا الهدف يكمن في التفكير المستمر بعقلية «الشركة الناشئة». بالنسبة لبيكر، تزدهر الشركات التي تحافظ على مرونتها وقدرتها على التكيف بعيدًا عن فخ الركود البيروقراطي أو البطء القاتل في اتخاذ القرارات.
يشغل «بيكر» منصب المؤسس المشارك ورئيس مجلس الإدارة المشارك لشركة Cresset Capital لإدارة الثروات. وهي عملاق يتولى إدارة أصول تفوق قيمتها 70 مليار دولار. هذا الإنجاز، بالإضافة إلى تأسيسه واستثماره في أكثر من 100 شركة، مكّنه من تقديم رؤى دقيقة وحاسمة حول العوامل التي تحدد بوضوح الفرق بين النجاح والفشل على المدى الطويل.
كما يطلق إريك بيكر على هذه الكيانات اسم «شركات اللعبة الطويلة»، وهي تتميز بمرونة عالية جدًا مقارنة بأي من منافسيها التقليديين. ونتيجة لذلك، تتمكن هذه الشركات من تجاوز التحديات والتقلبات الاقتصادية بأكبر قدر من السلاسة. كما أن لديها القدرة الفائقة على توقع تحولات السوق واتخاذ تلك القرارات الحاسمة التي تضمن استمرار زخم النمو.
المرونة والابتكار أساسا النجاح
ومن هذا المنطلق، تتجلى أهمية المرونة القصوى تحديدًا في قدرة الشركات الفائقة على التكيف المستمر مع متطلبات السوق الملحة واحتياجات المستهلكين المتغيرة. وللتدليل على ذلك، يشير بيكر إلى قصة نجاح شركة J.M. Smucker، التي بدأت بتأسيسها عام 1897م على يد مزارع بسيط من أوهايو. حققت هذه الشركة تحولًا جذريًا من نشاط بسيط لبيع زبدة التفاح من عربة يجرها حصان إلى شركة عالمية رائدة متخصصة في الأغذية المعبأة، وبلغت قيمتها السوقية حاليًا ما يتجاوز 11 مليار دولار.
وأما عن إستراتيجيتها، فتتمثل إستراتيجية Smucker الجوهرية بشكلٍ خاص في الابتكار المتواصل وتقديم منتجات تحظى بشعبية هائلة مثل سندويشات Uncrustables المجمدة المشهورة. وهذا المنتج يتوقع أن تتجاوز مبيعاته السنوية حاجز المليار دولار بحلول عام 2026م.
وبناءً على هذه الحالة، يؤكد بيكر أن السبب الرئيس وراء تحقيق هذا النجاح طويل الأمد يكمن تحديدًا في قدرة الشركة الفائقة على التكيف والتحول السريع بناءً على اتجاهات السوق ومطالب العملاء المتجددة.
وبالإضافة إلى ما ذكر، تظهر الشركات التي تعيد ابتكار نفسها باستمرار مستوى عالٍ من المرونة، وهذه المرونة تصبح مع مرور الوقت جزءًا أصيلًا من الحمض النووي (DNA) للشركة. هذا التميز الإستراتيجي هو ما يضمن لها التواجد المستمر وقدرتها على المنافسة الفعالة والمستدامة في الأسواق المعاصرة سريعة التغير والتحول.

مواجهة الواقع والثقة بالحدس
في سياق متصل، يشدد بيكر على ضرورة أن يبدأ القادة بمواجهة الواقع بلا مواربة، واختبار حدسهم القيادي عبر سؤال بسيط لكنه عميق: «ما الذي أتحمله ولا ينبغي أن أتحمله؟». من شأن هذا السؤال أن يساعد على التعرف على المشكلات المحتملة والناشئة مبكرًا، قبل أن تتفاقم. كما يجبر القادة على إجراء تقييم دقيق لنقاط الألم التي قد تؤثر سلبًا على شركتهم حاليًا أو على مستقبلها.
وعقب تحديد نقاط الضعف، يوصي بيكر بضرورة التحرك بحكمة مع السرعة المطلوبة لإيجاد حلول عملية وفعالة. على سبيل المثال، قد يشمل ذلك التحرك الجريء نحو إعادة هيكلة فريق بأكمله، أو التخلص من نموذج عمل قديم عفا عليه الزمن ويحتاج إلى تجديد جذري للأفكار. ويذكر أن اكتشاف المشكلات الناشئة يبدأ غالبًا بالشعور الغريزي بأن هناك شيئًا غير صحيح. ما يؤكد أن تجاهل هذا الحدس غالبًا ما يؤدي إلى ارتكاب أخطاء مكلفة جدًا.
وتؤكد شناس همّاتي، التي تعد خبيرة في شركتين ناشئتين قيمتهما تصل إلى مليارات الدولارات، أن القادة الناجحين بالتحديد هم من يمتلكون القدرة الفائقة على التغيير بسرعة. إضافة إلى تجربة أساليب جديدة ومبتكرة دون تردد. هذه القدرة هي التي تميزهم بوضوح عن أولئك الذين يفشلون فشلًا ذريعًا في التكيف مع الظروف المتغيرة للسوق.
القدرة على التكيف أساس استدامة الأعمال
ومن واقع التجارب، توضح النتائج العملية أن الشركات الناجحة على المدى الطويل تعتمد حصريًا على مزيج إستراتيجي من الابتكار والمرونة والتخطيط الدقيق. كما يسمح هذا المزيج المتوازن لها بتجاوز الأزمات بأقل الخسائر، إضافة إلى الاستفادة القصوى من الفرص الجديدة التي تظهر. وبالتالي تحقيق نمو مستدام وقوي رغم كافة التحديات المحتملة.
وعلى صعيد الرؤية، يشير إريك بيكر إلى أن الشركات التي تحقق النجاح طويل الأمد دائمًا هي تلك التي تستطيع رؤية المستقبل بوضوح تام. وكذلك تستجيب بسرعة فائقة لكل ما يتطلبه السوق من تغييرات جذرية. وبالإضافة إلى ذلك، تشكل القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة وتنفيذ الأفكار الجديدة عاملًا رئيسيًا لا غنى عنه ضمن المحافظة على تنافسية الشركة واستدامة أعمالها على المدى الطويل.
صحيح أن الموارد الكبيرة والعلاقات التجارية المستقرة تسهم أيضًا وبقوة في دعم نمو الشركات الكبرى. لكنها وحدها لا تكفي أبدًا دون المرونة الفطرية والقدرة على الابتكار المستمر والمتجدد. وفي النهاية، لا يتحقق النجاح طويل الأمد إلا من خلال مزيج متوازن بين التخطيط الإستراتيجي الصارم والرؤية المستقبلية الثاقبة والقدرة على التكيف الفوري مع التغيرات السوقية.
التفكير كشركة ناشئة هو سر النجاح
كما يمكن تلخيص النصيحة الأساسية لـ «إريك بيكر» بأن التفكير المستمر كشركة ناشئة هو عنصر جوهري لتحقيق النجاح طويل الأمد. فالشركات القادرة على الابتكار، مواجهة الواقع، اتخاذ القرارات الحاسمة، والاستجابة بسرعة للتحولات، هي التي تحقق استدامة ونموًا مستدامًا.
ويتضح أن المرونة، الحدس القوي، وإستراتيجية الابتكار المستمرة تشكل العناصر الأساسية لأي شركة تطمح لتحقيق النجاح طويل الأمد، وتفصلها عن منافسيها الذين يفشلون في التكيف مع التغيرات السوقية. وبالتالي، يمكن القول إن القدرة على التفكير مثل الشركات الناشئة لا تعني مجرد البقاء في السوق. بل تعني تأسيس أعمال يمكنها النمو والازدهار لعقود قادمة.


