تسارع التحركات داخل قطاع توصيل الطعام العالمي أعاد شركة «ديليفري هيرو» إلى واجهة المشهد الاستثماري الأوروبي، بعدما فجّرت أنباء عرض الاستحواذ المقدم من «أوبر» موجة صعود قوية في أسهم المجموعة الألمانية.
وذلك وسط توقعات بإعادة رسم خريطة المنافسة في واحد من أكثر القطاعات الرقمية سخونة خلال السنوات الأخيرة.
ووفقًا لما نقلته وكالة «رويترز» قفزت أسهم «ديليفري هيرو» إلى أعلى مستوياتها خلال 18 شهرًا، اليوم الاثنين، بعدما أعلنت المجموعة الألمانية تلقيها عرضًا مبدئيًا من «أوبر». في حين أشار تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» إلى أن الشركة الأمريكية تدرس رفع قيمة العرض المقدم.
ويعكس هذا التحرك تصاعد المنافسة العالمية على سوق توصيل الطعام، الني تشهد عمليات إعادة تموضع إستراتيجية بين كبار اللاعبين الدوليين.
وارتفعت أسهم الشركة بنسبة 10% لتتداول عند مستوى 37 يورو للسهم الواحد بحلول الساعة 07:05 بتوقيت جرينتش. وهو أعلى مستوى تحققه منذ أواخر نوفمبر 2024.
كما ارتفعت القيمة السوقية للمجموعة إلى 11.2 مليار يورو (13.04 مليار دولار). في مؤشر واضح على تفاؤل المستثمرين بإمكانية إتمام صفقة استحواذ قد تكون من الأكبر داخل القطاع الأوروبي.
عرض استحواذ يعيد تشكيل المنافسة
أكدت «ديليفري هيرو»، في بيان رسمي، أنها تلقت عرض استحواذ من «أوبر» بقيمة 33 يورو (38.29 دولارًا أمريكيًا) للسهم الواحد. في خطوة تؤكد رغبة الشركة الأمريكية في تعزيز وجودها داخل الأسواق الأوروبية والناشئة. خصوصًا مع احتدام المنافسة الإقليمية وتباطؤ معدلات النمو العضوي في بعض الأسواق الرئيسة.
ويمثل العرض خصمًا بنسبة 1.76% تقريبًا مقارنة بسعر إغلاق سهم «ديليفري هيرو» يوم الجمعة الماضي، وفقًا لبيانات مجموعة بورصة لندن. ومع ذلك فإن الأسواق تعاملت مع التطور بوصفه إشارة أولية إلى احتمال تقديم عرض أعلى لاحقًا. خاصة بعد التقارير التي تحدثت عن دراسة «أوبر» رفع قيمة الصفقة.
كما كشفت «ديليفري هيرو» الأسبوع الماضي عن أن «أوبر» رفعت حصتها إلى نحو 19.5% من رأس المال المصدر. مقارنة بحوالي 7% سابقًا، لتصبح بذلك أكبر مساهم في الشركة الألمانية.
وتقدر قيمة هذه الحصة بنحو 1.7 مليار يورو، بحسب حسابات «رويترز». ما يشير إلى أن «أوبر» كانت تمهد تدريجيًا لتحرك استحواذ أوسع منذ فترة.

ضغوط إدارية وتحولات إستراتيجية
التطورات الأخيرة جاءت بالتزامن مع اضطرابات إدارية داخل «ديليفري هيرو». بعدما أعلن الرئيس التنفيذي للمجموعة الألمانية، نيكلاس أوستبرغ، نيته الاستقالة عقب ضغوط متزايدة من كبار المساهمين لإجراء مراجعة إستراتيجية شاملة لمسار الشركة وأدائها المالي خلال المرحلة المقبلة.
ورغم حالة الترقب شددت الشركة على أنها لا تزال تركز بالكامل على تنفيذ عملية المراجعة الإستراتيجية، دون الكشف عن تفاصيل إضافية مرتبطة بعرض «أوبر».
ويعكس هذا الموقف محاولة الإدارة الحفاظ على توازن حساس بين متطلبات المستثمرين، والالتزامات القانونية المتعلقة بالمفاوضات المحتملة.
ويرى محللون أن أي صفقة استحواذ محتملة قد تمنح «أوبر» قدرة أكبر على توسيع عملياتها عالميًا، خصوصًا في الأسواق التي تمتلك فيها «ديليفري هيرو» حضورًا قويًا.
كما قد تساعد الصفقة على تعزيز الكفاءة التشغيلية وتقليص التكاليف. في وقت تتجه فيه شركات التكنولوجيا إلى التركيز بصورة أكبر على تحقيق الربحية بدلًا من التوسع السريع فقط.
قطاع توصيل الطعام أمام مرحلة جديدة
يشهد قطاع توصيل الطعام العالمي مرحلة إعادة هيكلة واسعة. مدفوعةً بارتفاع تكاليف التشغيل، وزيادة المنافسة، وتغير سلوك المستهلكين بعد الطفرة الكبيرة التي حققها القطاع خلال سنوات الجائحة.
ولذلك أصبحت صفقات الاستحواذ والاندماج خيارًا إستراتيجيًا لتأمين النمو والحفاظ على الحصص السوقية.
وتشير التقديرات إلى أن الشركات الكبرى أصبحت أكثر ميلًا لتجميع الأصول والتوسع عبر الاستحواذات بدلًا من الدخول في سباقات إنفاق مكلفة لاجتذاب العملاء.
ومن هذا المنطلق فإن اهتمام «أوبر» بـ«ديليفري هيرو» قد يمثل خطوة إستراتيجية تستهدف تعزيز النفوذ العالمي للشركة الأمريكية في مواجهة المنافسين الإقليميين والدوليين.
كما أن الأسواق الأوروبية باتت تمثل أهمية متزايدة لشركات التوصيل، خصوصًا مع ارتفاع معدلات استخدام التطبيقات الرقمية، وتزايد الاعتماد على خدمات التوصيل السريع. إلى جانب استمرار التحول نحو الاقتصاد الرقمي في قطاعات التجزئة والمطاعم والخدمات اللوجستية.
المستثمرون يترقبون الخطوة التالية
لا تزال الأنظار تتجه نحو الخطوة المقبلة من «أوبر»، خاصة مع توقعات بإمكانية تقديم عرض مُحسن خلال الفترة المقبلة. ويعتقد مراقبون أن نجاح الصفقة يعتمد على تقييمات المساهمين، ومدى توافق الجانبين حول القيمة العادلة للشركة الألمانية. إضافة إلى احتمالات التدقيق التنظيمي في أوروبا.
وفي المقابل فإن أي تعثر في المفاوضات ربما يعيد الضغوط على سهم «ديليفري هيرو»، خصوصًا أن الشركة تواجه تحديات تشغيلية ومنافسة قوية في عدد من الأسواق.
ومع ذلك فإن الارتفاع الأخير في القيمة السوقية يوضح وجود رهان واضح من المستثمرين على احتمالية إتمام صفقة كبرى خلال الأشهر المقبلة.
وتبقى صفقة «أوبر» المحتملة من أبرز التحركات المنتظرة في قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية خلال الفترة الحالية. لا سيما أنها قد تؤدي إلى إعادة رسم خريطة المنافسة العالمية في سوق توصيل الطعام. التي تشهد تغيرات متسارعة وتحولات إستراتيجية عميقة.


