قبل انتقالي إلى مجال التعليم العالي، أمضيت 17 عامًا في إدارة شركة متخصصة في استقطاب الكفاءات التنفيذية. وكان هناك سؤال واحد نسعى باستمرار للإجابة عليه، وهو سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره ولكنه ينطوي على أبعاد أعمق: ما الذي يجعل مرشحًا ما أكثر قابلية للتوظيف مقارنة بغيره؟
بطبيعة الحال، ظلت المؤهلات الأكاديمية والخبرة العملية من العناصر المهمة، إلا أن أصحاب العمل نادرًا ما اقتصر اهتمامهم على المعرفة الأكاديمية وحدها. فقد كانوا يبحثون عن أفراد يمتلكون مجموعة متكاملة من المهارات والقدرات، تشمل تحليل المشكلات، والتعبير عن الأفكار بوضوح، والعمل بفعالية ضمن فريق، واتخاذ قرارات مدروسة، فضلًا عن المرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات.
واليوم، وفي ظل التحولات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، تكتسب هذه السمات أهمية أكبر من أي وقت مضى. لذا، إذا كانت هذه هي المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل، فلماذا ننتظر حتى المرحلة الجامعية للبدء في تنميتها؟
ما المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟
ينصبّ جانب كبير من النقاش حول إعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المستقبلية على تنمية المهارات التقنية، وهو أمر مفهوم في ظل تزايد أهمية الإلمام بالذكاء الاصطناعي، والقدرة على التعامل مع البيانات، والكفاءة التكنولوجية في مختلف القطاعات تقريبًا. إلا أن اللافت في ثورة الذكاء الاصطناعي هو أنها، بدلًا من أن تقلل من أهمية المهارات البشرية، ستعزز قيمتها، لا سيما تلك القدرات والمهارات التي تميز الإنسان ويصعب على التكنولوجيا محاكاتها أو استبدالها.
فقد أظهر تقرير “مستقبل الوظائف لعام 2025” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن التفكير التحليلي لا يزال المهارة الجوهرية الأكثر طلبًا لدى أصحاب العمل. وتأتي بعدها مباشرةً سمات المرونة والقدرة على التكيف وسرعة الاستجابة، فضلًا عن بروز مهارات القيادة والتفكير الإبداعي والفضول والتعلم المستمر. وفي الوقت نفسه، تعد مهارات الذكاء الاصطناعي والتعامل مع البيانات الضخمة من بين المهارات الأسرع نموًا في الوقت الراهن.
ويشير التقرير إلى أن الموظفين في المستقبل سيحتاجون إلى معرفة كيفية استخدام التكنولوجيا وتطوير قدراتهم التقنية باستمرار، إلا أن التفكير التحليلي والقدرة على التكيف وحسن التقدير ستكون بنفس القدر من الأهمية -إن لم تكن أكثر أهمية- في تحديد مدى فعالية استخدامهم لهذه الأدوات. فالذكاء الاصطناعي قادر على تقديم إجابة في غضون ثوانٍ، لكن يظل على الإنسان تقييم مدى دقتها وصحتها. وبوسعه إعداد عرض تقديمي متكامل، إلا أن الحكم على قوة الحجج المطروحة فيه ومدى منطقيتها يظل مسؤولية بشرية. كما يمكنه صياغة رسالة بريد إلكتروني بكفاءة، غير أن فهم كيفية تلقّي الطرف الآخر لها يتطلب التعاطف، والوعي بالسياق، والقدرة على قراءة المواقف الإنسانية. وهذه المهارات لا تُكتسب بين عشية وضحاها عند بلوغ سن الثامنة عشرة، بل تتطور تدريجياً من خلال التعلم والتجربة والتفاعل مع الآخرين.
أهمية دور المدارس
لا شك أن الجامعات تضطلع بمسؤولية أساسية في إعداد الطلاب للانخراط بفاعلية في سوق العمل. ففي جامعة هيريوت-وات دبي، تشكّل قابلية التوظيف والانفتاح على قطاع الأعمال ركيزتين أساسيتين في صميم نهجنا التعليمي. ومع ذلك، يصل الطلاب إلى المرحلة الجامعية بعد أكثر من عقد من التعليم النظامي، ما يعني أن هناك فرصة كبيرة لبدء تنمية المهارات والقدرات اللازمة لمستقبلهم المهني في مراحل مبكرة من مسيرتهم التعليمية.
يمكن للمدارس أن تؤدي دورًا محوريًا في تنمية هذه المهارات من خلال إتاحة الفرصة للطلاب للتعامل مع مشكلات مفتوحة لا تقتصر على إجابة صحيحة واحدة، بما يشجعهم على استكشاف وجهات نظر متعددة، واختبار الأفكار، وبناء الثقة في التعامل مع المواقف التي تنطوي على قدر من عدم اليقين. كما تسهم المشاريع الجماعية في ترسيخ مهارات التعاون والعمل ضمن فريق، إذ يتعلم الطلاب كيفية إدارة اختلاف الآراء وتقاسم الأدوار والمسؤوليات. وتساعد العروض التقديمية على تعزيز الثقة بالنفس وصقل مهارات التواصل، بينما تنمّي الأنشطة الريادية روح المبادرة والوعي المالي، وتُرسّخ لدى الطلاب إدراكًا مهمًا مفاده أن قيمة الفكرة لا تكمن فيها وحدها، بل أيضاً في القدرة على عرضها بوضوح وإقناع الآخرين بجدواها.
وحتى الفشل ينطوي على قيمة تعليمية؛ إذ تعد القدرة على خوض التجربة. واكتشاف عدم نجاحها، وفهم أسباب ذلك، ثم المحاولة مرة أخرى. واحدةً من أهم المهارات التي يمكن أن يمتلكها أي موظف في المستقبل.
تعلم العمل مع الذكاء الاصطناعي
تمضي المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة في هذا المسار نحو تطوير منظومتها التعليمية. ففي إطار «رؤية السعودية 2030». يتزايد التركيز على مواءمة مخرجات التعليم مع مهارات المستقبل ومتطلبات سوق العمل المتغيرة. ويشير التقرير السنوي لـ«رؤية السعودية 2030» لعام 2025 إلى دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل التعليم العام. حيث يتلقى أكثر من ستة ملايين طالب وطالبة مناهج متخصصة في هذا المجال.
وفي سياق أشمل، يضع «برنامج تنمية القدرات البشرية» مهارات القرن الحادي والعشرين. والتعلم الذاتي، والخبرات العملية، والاستعداد لأسواق العمل المستقبلية في صميم المسيرة التعليمية.
غير أن تعليم الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يقتصر على تعلم كيفية صياغة “أوامر توجيهية” فعالة. إذ يتعين على الطلاب أيضاً فهم حدود هذه الأنظمة، وتعلم التشكيك في المصادر. ورصد التحيزات، وحماية المعلومات الشخصية، والتمييز بين توليد المعلومات وتوليد المعرفة.
والأهم من ذلك كله، يجب عليهم تجنب “تفويض التفكير” للآلة.
فالطالب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتجنب حل مسألة صعبة قد ينجز واجبًا منزليًا بجودة أفضل اليوم. لكنه في المقابل ينمّي مهارات أقل للمستقبل. لذا، ينبغي أن يكون الهدف هو استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات البشرية وتوسيع نطاقها. لا استخدامه كبديل للجهد الفكري الذي تبنى وتتطور من خلاله تلك القدرات.
لا مجال للبدء في وقت مبكر جدًا
تمضي حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بخطى متسارعة نحو بناء اقتصادات قائمة على التكنولوجيا والابتكار والصناعات المتقدمة والاستدامة وريادة الأعمال. فيما يجلس قادة هذه الاقتصادات وصنّاع مستقبلها اليوم على مقاعد الدراسة. ولا تقتصر عملية إعدادهم ببساطة على التنبؤ بالوظائف التي ستكون متاحة بعد 15 عامًا. إذ لا يمكن لأحد القيام بذلك بدقة كافية، لا سيما في ظل الوتيرة المتسارعة لتطور الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يمكننا إعداد الشباب للتعامل مع التغيرات الحتمية الناجمة عن مشهد سوق العمل المتطور بشكل سريع.
علينا تعليمهم التفكير النقدي، وإتاحة الفرص لهم للقيادة والعمل التعاوني، وتركهم يواجهون مشكلات لا تتوفر لها حلول جاهزة أو واضحة. فضلًا عن تشجيع فضولهم ومساعدتهم على التأقلم مع التغيير. والأهم من ذلك. ينبغي تعليمهم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بثقة مع الحفاظ على استقلالية أحكامهم وقراراتهم.
أمضيت جانبًا كبيرًا من مسيرتي المهنية في تقديم المشورة للمؤسسات حول الكفاءات والمهارات التي تحتاج إليها. وأتولى اليوم قيادة جامعة، ما أتاح لي النظر إلى هذا التحدي من كلا الجانبين.
ومن خلال هذه التجربة، ترسخت لدي قناعة راسخة بأن إعداد الشباب لعالم العمل لا ينبغي أن يبدأ مع تقديم أول طلب توظيف. بل في وقت أبكر بكثير، وتحديداً منذ سنوات الدراسة.
بقلم البروفيسورة هيذر ماكغريغور؛ عميدة جامعة هيريوت-وات في دبي


