شَكَّلَت التجربة الفرنسية في التحول من دولة صناعية كبرى إلى اقتصاد يعتمد بشكل مفرط على قطاع الخدمات والواردات، نموذجًا تحليليًا مكثفًا في مجالات إدارة الاقتصاد الكلي والتخطيط الإستراتيجي للمؤسسات.
لم يكن الانكماش الصناعي حادثًا عابرًا أو أزمة مؤقتة، بل كان حصيلة سلسلة متراكمة من الترجيحات السياسية، والتحولات الهيكلية، والاعتماد على افتراضات اقتصادية أثبتت الأزمات المتلاحقة عدم دقتها على المدى الطويل؛ إذ تراجعت نسبة مساهمة الصناعة الناتج المحلي الإجمالي من نحو 30.8 % في عام 1961 إلى 16.5 % عام 2025.
أيديولوجية “شركات بلا مصانع”
أحد أهم وأبرز الدروس الإستراتيجية المستفادة من التجربة الفرنسية يكمن في خطورة تبني أيديولوجية “شركات بلا مصانع” (Fabless companies)، وهي الإستراتيجية التي سعت من خلالها مؤسسات كبرى إلى التخلي عن وحدات الإنتاج والتصنيع لصالح التركيز الحصري على البحث والتطوير والتسويق، ونقلت مصانعها إلى الصين؛ فكانت تلك الخطوة هي الأكثر أثرًا في فقدانها تفوقها التكنلوجي والتصنيعي.
تآكل القدرات الابتكارية
ومع هذه الخطوة فقدت التجربة عنصرين أساسيين:
1. حلقة التغذية الراجعة: فقد أثبت الواقع الميداني أن فصل البحث العلمي والتصميم عن التصنيع يؤدي مع الوقت إلى تآكل القدرات الابتكارية نفسها؛ إذ يستمد التطوير الهندسي قدرًا كبيرًا من قوته من الممارسة العملية وتجارب الخطوط الإنتاجية.
2. الميزة التنافسية الوطنية: عندما تنقل الدول والمؤسسات مراكز الإنتاج إلى أسواق ذات تكلفة عمالة منخفضة، فإنها لا تنقل الأدوات الفيزيائية فحسب، بل تنقل معها المهارات والخبرات العملية. ومع مرور الوقت، تتطور القوى العاملة في الأسواق الناشئة لتنتقل من مجرد تجميع المنتجات إلى تطويرها وتصديرها. وهذا ما حدث في الصناعة الصينية التي مرت عليها سنوات التعلم والتلمذة على أيادي الصناعيين المحترفين في الغرب؛ ما سلب المؤسسات الغربية أفضليتها التكنولوجية والتنافسية.
تغليب قطاع الخدمات والأنشطة المالية
التجربة الفرنسية لانهيار الصناعة كشفت حدود الاعتماد المفرط على الخدمات والقطاع المالي في الاقتصاد الوطني، فقد شهدت العقود الأخيرة تحولًا حادًا نحو تغليب قطاع الخدمات والأنشطة المالية على حساب القطاعات الإنتاجية الصلبة، مدفوعًا بالبحث عن عوائد سريعة وأرباح قصيرة الأجل للشركات الفرنسية بدلًا من الاستثمارات الصناعية طويلة الأمد التي تتطلب رأس مال كثيف وصبرًا تشغيليًا.
وبناء على هذا، انتقلت الصناعة في فرنسا من النموذج المتوازن: البحث والتطوير، ثم التصنيع والإنتاج، ثم الخدمات والأسواق، إلى النموذج الخالي من المصانع: البحث والتطوير، ثم الاعتماد على الخارج في التصنيع، والانكشاف عند الأزمات.
إضعاف القاعدة الاجتماعية والاقتصادية
وقد أدى هذا التحول إلى إضعاف القاعدة الاجتماعية والاقتصادية للعديد من المناطق التي كانت تعتمد على المصانع كمركز للحراك الاقتصادي والهوية المجتمعية.
ومثال على هذا التحول في قطاع الصناعات التحويلية والتصنيع (السيارات، الطائرات، المنسوجات، الإلكترونيات) المحرك الأساس للقوة الصناعية، وهو القطاع الأكثر تضررًا من عملية نقل المصانع للخارج (Offshoring).
فبعد أن وصلت أعلى نسبة مساهمة قرابة 24 % من الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا، خلال سبعينيات القرن العشرين، أصبح قطاع التصنيع يسهم حاليًا بأقل من 10 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي.
الأزمات العالمية المتعاقبة
وقد أظهرت الأزمات العالمية المتعاقبة- بدءًا من جائحة كوفيد-19 وصولًا إلى الاضطرابات الجيوسياسية- أن قطاع الخدمات وحده لا يمكنه تعويض غياب الاستقلال الذاتي في السلع الحيوية، كالمنتجات الطبية والتجهيزات التكنولوجية والمعدات الأساسية.
كما أن هيمنة صناديق الاستثمار والمطالبة المستمرة بزيادة نسب أرباح الأسهم أدت إلى تحميل الشركات الصناعية ضغوطًا مالية غير مستدامة؛ ما أخل بالتوازن بين التطوير الداخلي والمكاسب السريعة.
تقليص الاستثمارات الهيكلية
ومع المبالغة في رفع هامش التشغيل؛ حيث الانتقال من هامش تشغيلي تقليدي يستهدف الاستدامة والاستثمار في تطوير الأدوات الصناعية، إلى مستويات مفرطة تجاوزت (12 %)، أجبرت المجموعات الصناعية على القبول بـ “تنازلات اجتماعية” وتقليص الاستثمارات الهيكلية الضرورية.
ونتج عن إهمال الاستمرارية طويلة الأجل، تسليم زمام المبادرة المالية لمنطق المضاربة السريعة؛ ما أدى إلى تقليص النفقات المخصصة للبنية التحتية والبحث والتطوير لحساب توزيعات أرباح المساهمين؛ الأمر الذي ترك المؤسسات الصناعية هشة أمام أي تحول أو منافسة مفاجئة في الأسواق العالمية.
استيراد السلع الرخيصة
وتكشف التجربة الفرنسية عن مفارقة دقيقة في الخيارات الاقتصادية الكلية؛ حيث جرى إعطاء الأولوية لدعم القدرة الشرائية للمستهلك الفرنسي عبر استيراد السلع الرخيصة المنخفضة التكلفة، على حساب حماية وتطوير الإنتاج المحلي.
وقد تسبب هذا التوجه في خلق نوع من التعاطي المتناقض: مكاسب فورية في القدرة الشرائية للمستهلكين على المدى القريب، مقابل تراجع مستمر في الفرص التوظيفية للعمال وفقدان قطاعات كاملة (كالإلكترونيات والمنسوجات والآلات).
ويوضح هذا الدرس أن السياسات التي تتجاهل حماية قاعدة الإنتاج المحلي تنتهي بضرب القدرة الشرائية ذاتها على المدى البعيد نتيجة انخفاض الوظائف ذات القيمة المضافة العالية وزيادة معدلات البطالة.
وتؤكد دراسة تراجع التنافسية الصناعية الفرنسية أن هذا الانهيار لم يكن نتيجة عامل مفرد، بل كان حصيلة تراكمات وتعارض في التوجهات الإستراتيجية، خاصة في عاملين رئيسين:
1. انعدام السياسات الصناعية التنسيقية، وتخلي الدولة في فترات مختلفة عن دورها التوجيهي والاستثماري في حماية القطاعات الإستراتيجية باسم حرية المنافسة المطلقة، في حين واصلت القوى الاقتصادية الصاعدة تقديم دعم حكومي مكثف ومباشر لصناعاتها الوطنية.
2. التفريط في الأصول الحيوية وقيام بعض القيادات التنفيذية ببيع شركات إستراتيجية أو دمجها مع كيانات أجنبية للحصول على مكاسب مالية مؤقتة؛ ما أدى إلى تفكيك استقلالية البلاد في مجالات حيوية كالإلكترونيات، والاتصالات، والتجهيزات الصناعية الثقيلة.
تفكيك شركة “ألكاتيل”
والمثال الشهير لشركة “ألكاتيل” درة تاج التكنولوجيا الفرنسية والأوروبية، والرائد العالمي الأول في شبكات الاتصالات، وصناعة كابلات الألياف الضوئية البحرية، ومعدات البنية التحتية للهواتف والإنترنت، والتي تم تفكيكها؛ حيث تبنى رئيسها التنفيذي في بداية الألفية إستراتيجية “شركات بلا مصانع” (Fabless)، فباع مصانعها وتخلى عن خطوط الإنتاج.
وفي عام 2006 اندمجت مع “لوسنت” الأمريكية، ثم ساء وضعها المالي نتيجة فصل البحث عن التصنيع، لتُباع بالكامل في عام 2016 لشركة “نوكيا” (Nokia) الفنلندية.
الدروس المستفادة
إن الدروس المستفادة من انكماش القوة الصناعية الفرنسية تبين أن السيادة الاقتصادية للبلدان والمؤسسات لا يمكن أن تستند إلى المضاربات المالية أو التخلي عن الإنتاج الفعلي.
فالابتكار والاستقرار الاقتصادي يتطلبان الامتناع عن فصل التصنيع عن البحث، والحفاظ على توازن عادل بين حقوق رأس المال ومتطلبات الاستثمار طويل الأجل، إلى جانب تطوير سياسات إستراتيجية تحمي وتنمي قاعدة الإنتاج المحلي أمام المنافسة الدولية غير المتكافئة.
د.عاطف الشبراوي
أستاذ ريادة الأعمال والابتكار بالجامعة اليابانية المصرية للعلوم والتكنولوجيا


