يصعب أحيانًا تحديد ما يجعل القيادة عظيمة أو فهم عناصرها بدقة. فأنت تدرك قيمة القائد الجيد عندما تعمل تحت إدارته، لكن حتى القادة أنفسهم قد يجدون صعوبة في شرح ما يجعل أسلوبهم القيادي فعالًا إلى هذا الحد.
ترددت في وقت سابق شائعات عن احتمال ترشح هوارد شولتز، الرئيس التنفيذي السابق لشركة ستاربكس، لرئاسة الولايات المتحدة، لكنه سرعان ما وضع حدًا لهذه التكهنات. وكتب في مقال: «على الرغم من تشجيع الآخرين لي، لا أنوي خوض السباق الرئاسي. لم أنتهِ بعد من خدمة ستاربكس».
يلفت الانتباه في موقف شولتز أنه فضّل الالتزام تجاه شركته على إغراء الأضواء والشهرة. لكن الأمر الأكثر جدارة بالإعجاب هو رغبته في أن يكون قائدًا يضع خدمة الآخرين في مقدمة أولوياته.
لم تكن الخدمة بالنسبة إليه مجرد شعار يردده أمام وسائل الإعلام؛ فقد تمثلت رسالته في بناء شركة يُعامل فيها الناس باحترام وكرامة، وأثبت التزامه بذلك من خلال ما خصصه من وقت ومال. وأنفقت ستاربكس 250 مليون دولار على مدى 10 سنوات لتغطية نفقات التعليم الجامعي للموظفين المؤهلين للحصول على هذه المزايا، كما اعتاد شولتز الاستيقاظ يوميًا في الرابعة صباحًا لإرسال رسائل إلكترونية تحفيزية إلى العاملين بالشركة.
تكشف تصرفات القائد، وما يقوله ويفعله كل يوم، جوهر القيادة الحقيقية. وكما قال شولتز: «احلم بما يتجاوز ما يراه الآخرون عمليًا، وتوقع أكثر مما يراه الآخرون ممكنًا، واهتم بالآخرين أكثر مما يراه الآخرون حكيمًا».
يمكن تغيير السلوكيات، كما يستطيع القادة الذين يعملون على تطوير مهاراتهم تحقيق نتائج ملموسة. وفي حالة شولتز، أمضى ثلاثة عقود في صقل مهاراته القيادية، مستفيدًا، من بين أمور أخرى، من التوجيه والإرشاد المباشرين اللذين تلقاهما من خبير القيادة وارن بينيس في جامعة جنوب كاليفورنيا.
وبالطبع، لا يستطيع الجميع الحصول على مرشد مثل بينيس، لكن تطوير مهارات القيادة يظل أمرًا يقع ضمن سيطرتك. كل ما تحتاج إليه هو دراسة سلوكيات القادة العظماء والعمل على تبنيها في أسلوبك الخاص. وهناك ستة سلوكيات أساسية تميز هؤلاء القادة، ويمكن لأي منا أن يتعلم ممارستها.
1. اللطف بلا ضعف
من أصعب المهارات التي يحتاج القائد إلى إتقانها أن يكون لطيفًا من دون أن يبدو ضعيفًا. فاللطف يعني أن تنسب الفضل إلى الآخرين، وأن تثني بحماس على جهودهم وإنجازاتهم. لكن تحقيق التوازن بين التعامل بودّ حقيقي والحفاظ على قوة الشخصية ليس أمرًا سهلًا.
يكمن السر في إدراك أن اللطف الحقيقي ينطوي على قوة، لأنه يتسم بالصراحة والوضوح. فإخبار الآخرين بالحقيقة الصعبة التي يحتاجون إلى سماعها أكثر لطفًا من حمايتهم، أو حماية نفسك، من محادثة صعبة. أما تجنب المواجهة الضرورية، فهو علامة ضعف.
كذلك، لا ينبغي أن يكون اللطف مشروطًا بتوقع الحصول على مقابل. فعندما يتعامل القائد بلطف لتحقيق مصلحة شخصية، يتحول هذا السلوك إلى ضعف، لأن الآخرين يستطيعون بسهولة إدراك الأهداف الخفية وراءه.
تأمل تجربة شولتز، الذي خصص 250 مليون دولار لتعليم موظفي ستاربكس من دون فرض شروط تلزمهم بالبقاء في الشركة بعد التخرج. فبمجرد حصول الموظف على شهادته، يصبح حرًا في المغادرة إذا أراد. وهذا هو اللطف الحقيقي.
2. القوة بلا قسوة
القوة من الصفات المهمة في القيادة. فكثيرًا ما ينتظر الناس ليروا ما إذا كان قائدهم قويًا قبل أن يقرروا اتباعه. إنهم يحتاجون إلى قائد يتحلى بالشجاعة، ويستطيع اتخاذ القرارات الصعبة، وحماية مصالح المجموعة، والتمسك بمساره عندما تشتد الظروف. وعندما يرون قائدهم يتصرف بقوة في المواقف الصعبة، يصبحون أكثر استعدادًا لإظهار القوة نفسها.
لكن كثيرًا من القادة يخلطون بين القوة وبين التسلط والسيطرة والقسوة. ويعتقدون أن فرض السيطرة على الآخرين ودفعهم إلى تنفيذ الأوامر سيجعلهم أكثر ولاءً لهم.
الحقيقة أن القوة لا يمكن فرضها على الناس، بل تُكتسب من خلال إثباتها مرارًا، خصوصًا عند مواجهة الشدائد. وعندها فقط يثق الآخرون في قائدهم ويقتنعون بأنه يستحق أن يتبعوه.
3. الثقة بلا غرور
ننجذب إلى القادة الواثقين بأنفسهم، لأن الثقة معدية، وتساعدنا على الاعتقاد بأن المستقبل يحمل فرصًا واعدة. لكن التحدي أمام القائد هو الحفاظ على هذه الثقة من دون السماح لها بالتحول إلى غرور أو تعالٍ.
تعني الثقة أن تؤمن بقدرتك على تحقيق النتائج، وأن تتحلى بالشغف اللازم لذلك. لكن عندما تنفصل ثقتك عن الواقع، قد تبدأ في الاعتقاد بأنك قادر على إنجاز أمور لا تستطيع فعلها، أو أنك حققت إنجازات لم تحققها أصلًا. وفجأة، يصبح كل شيء متعلقًا بك وحدك، وهو ما يقوض مصداقيتك.
أما القادة العظماء الواثقون بأنفسهم، فيحافظون على تواضعهم. فلا تجعلهم إنجازاتهم أو مناصبهم يشعرون بأنهم أفضل من الآخرين. وهم لا يترددون في أداء الأعمال الشاقة بأنفسهم عندما تستدعي الحاجة، ولا يطلبون من فريقهم القيام بأمور لا يقبلون القيام بها بأنفسهم.
4. التفاؤل بواقعية
يواجه القادة تحديًا آخر يتمثل في الحفاظ على الإيجابية من دون الانفصال عن الواقع. تخيل قاربًا شراعيًا على متنه ثلاثة أشخاص: متشائم ومتفائل وقائد عظيم.
تسير الأمور بسلاسة حتى تتغير الرياح فجأة وتصبح غير مواتية. عندها يرفع المتشائم يديه ويبدأ في الشكوى من الرياح، بينما يسترخي المتفائل ويقول إن الأمور ستتحسن. أما القائد العظيم، فيقول: «يمكننا تجاوز هذا»، ثم يعدل الأشرعة ويواصل تحريك القارب إلى الأمام.
هذا هو التوازن المطلوب بين التفاؤل والواقعية؛ فالقائد لا يكتفي بتشجيع فريقه على الأمل، بل يتخذ الخطوات اللازمة للتعامل مع الظروف الفعلية ومواصلة التقدم.
5. القدوة لا الواعظ
يكتسب القادة العظماء ثقة الآخرين وإعجابهم من خلال أفعالهم، لا كلماتهم وحدها. فكثير من القادة يتحدثون عن أهمية النزاهة، لكن القائد الحقيقي يترجم هذه القيمة إلى سلوك يومي ويثبت التزامه بها في مواقفه وقراراته.
إن تكرار مطالبة الموظفين بالتصرف بطريقة معينة لا يحقق سوى جزء ضئيل من التأثير الذي يمكن أن تحققه عندما تجسد هذا السلوك بنفسك. فالقائد الذي يريد من فريقه الالتزام والنزاهة وتحمل المسؤولية، عليه أن يكون أول من يلتزم بهذه القيم.
6. الدفاع عن الفريق وتحمل المسؤولية
أفضل القادة مستعدون لفعل كل ما يلزم من أجل فرقهم، ويقفون إلى جانب أفرادها مهما كانت الظروف. فهم لا يحاولون إلقاء اللوم على الآخرين، ولا يتهربون من تحمل المسؤولية عندما يفشلون.
ولا يخشون القول بوضوح إن المسؤولية النهائية تقع عليهم، ويكسبون ثقة فريقهم من خلال دعمه والوقوف إلى جانبه. كما يوضحون لأفراد الفريق أنهم يرحبون بالاعتراضات والنقد ووجهات النظر المختلفة عن آرائهم.
يدرك القائد الجيد أن بيئة العمل التي يخشى فيها الموظفون التعبير عن آرائهم، أو طرح أفكار جديدة، أو توجيه أسئلة مهمة، هي بيئة محكوم عليها بالفشل. فالقيادة لا تعني أن يكون الجميع موافقين على رأي القائد طوال الوقت، بل أن يشعروا بالأمان الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة القرارات.
طوّر أسلوبك القيادي
القيادة العظيمة عملية متكاملة تجمع مجموعة متنوعة من المهارات والسلوكيات في أسلوب واحد. وعندما تعمل على تبني السلوكيات السابقة وتطبيقها في حياتك المهنية، ستلاحظ تحسنًا في قدراتك القيادية.
ما السلوكيات الأخرى التي تعتقد أنها تميز القادة العظماء؟ شارك أفكارك وتجاربك في التعليقات، فكما يمكنك التعلم من الآخرين، يمكنهم هم أيضًا التعلم منك.


