لا يتوقف نجاح الاجتماعات المهمة والمفاوضات الحاسمة على طبيعة الطروحات والكلمات التي يُدلي بها المشاركون فحسب، بل يبدأ في واقع الأمر من منهجية الاستعداد الشاملة للمحادثة؛ بدءًا من التخطيط الدقيق لاختيار البيئة المكانية، ووصولًا إلى الفهم العميق لمواقف الطرف الآخر وتحديد البيانات الضرورية قبل اتخاذ أي قرار.
دور المكان وأجندة التعلم في إنجاح التفاوض
تؤكد ليزلي جون؛ أستاذة التفاوض في كلية هارفارد للأعمال، أن الترتيبات المكانية لا تقل أهمية عن موضوع الحوار نفسه. إذ إن اختيار الدولة أو القاعة المستضيفة. فضلًا عن تحديد مواقع جلوس المشاركين، يمكن أن يوجه مسار التفاوض بأكمله.
وفي هذا الصدد، تشير أبحاث التفاوض -وفقًا لما نشرته شبكة «سي إن بي سي ميك إت»- إلى وجود إستراتيجية تُعرف بـ«ميزة الأرض». حيث يميل الأشخاص إلى تحقيق أداء أفضل وتفوق ملموس عندما يتفاوضون داخل بيئة مألوفة لديهم. ما يجعل اختيار مكان الاجتماع عنصرًا حاسمًا في مرحلة التحضير الأولية.
علاوة على ذلك، يتجاوز الاستعداد الفعال الجوانب اللوجستية والتنظيمية ليصل إلى صياغة الأهداف المعرفية لللقاء. إذ تقترح جون الاستعاضة عن قائمة النقاط المطولة بإعداد «أجندة للتعلم» تساعد المفاوض على تحديد ما يسعى لاكتشافه واكتسابه من الطرف الآخر.
الأسئلة الذكية كأداة لبناء الثقة
وتستند «أجندة التعلم» بصورة أساسية على طرح أسئلة استكشافية نوعية تمكّن المفاوض من قراءة مشهد الطرف المقابل بدقة. من خلال الوقوف على التحولات التي طرأت على موقفه، ومعرفة الضغوط التي يواجهها. فضلًا عن تحديد الأولويات الحقيقية والنتائج التي يراها مرضية بالنسبة له.
وفي هذا السياق، تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة استنادًا إلى أبحاث بناء الثقة. والتي تؤكد أن طرح الأسئلة المباشرة والذكية يحفز الأطراف الأخرى على الإفصاح عن بيانات ومعلومات أكثر عمقًا. ليتحول الاجتماع من مجرد منصة لعرض المواقف الصلبة إلى مساحة تفاعلية لاكتساب معطيات جديدة تشكل مجريات الحوار.
ويسهم هذا الأسلوب الاستكشافي في تفكيك الافتراضات المسبقة والنمطية قبل خوض العملية التفاوضية. فبدلًا من الاعتماد على توقعات جامدة حول أهداف الطرف الآخر. يتيح الاستماع الواعي لإجاباته رسم صورة واقعية وشاملة تضمن التوصل إلى حلول مرضية ومتبادلة.
التحضير الجيد يمنح مرونة أكبر
قد يبدو أن الإعداد المكثف يعني الالتزام بخطة محددة، إلا أن الاستعداد الجيد يمكن أن يمنح المفاوض قدرة أكبر على التعامل بعفوية أثناء الاجتماع. فعندما يعرف مسبقًا ما يريد معرفته، يصبح أكثر قدرة على الاستماع وطرح الأسئلة المناسبة وفقًا لتطور المحادثة.
ومن ثم، لا يعني الاستعداد للتفاوض إعداد نص طويل لحفظه، وإنما تحديد الأهداف والمعلومات المطلوبة والأسئلة التي تساعد على الوصول إليها. كما أن فهم المكان والظروف المحيطة باللقاء يمكن أن يضيف عنصرًا آخر إلى عملية التحضير.


