يشهد قطاع ريادة الأعمال في المملكة العربية السعودية تحولًا نوعيًا مع انتقال الشركات الناشئة من مرحلة التأسيس إلى مسارات أكثر اتساعًا للنمو والتوسع، وهو ما يفرض متطلبات جديدة على المؤسسين والقيادات التنفيذية.
ومع تصاعد المنافسة واستقطاب الكفاءات ورؤوس الأموال، أصبحت القدرة على بناء فرق قوية، وتطوير أنظمة فعالة، وترسيخ الحوكمة، من الركائز الأساسية لضمان نمو مستدام يتجاوز نجاح البدايات.
وفي مقابلة حصرية مع «رواد الأعمال»، يستعرض البروفيسور فلورين فاسفاري رؤيته لمستقبل القيادة التنفيذية وريادة الأعمال في السعودية، متناولًا أبرز التحديات التي تواجه المؤسسين خلال مراحل التوسع، وأهمية تفويض الصلاحيات وبناء القيادات، إلى جانب التوازن بين الابتكار والحوكمة.
وإلى نص الحوار:
يشهد قطاع ريادة الأعمال في المملكة العربية السعودية نموًا متسارعًا. ومع انتقال شركات كثيرة من مرحلة التأسيس إلى التوسع، كيف تتطور متطلبات القيادة لدى المؤسسين؟ وما أبرز التحولات التي يتعين عليهم الاستعداد لها؟
إن جوهر الانتقال من مرحلة التأسيس إلى التوسع يتمثل في التحول من الاعتماد على المجهود الفردي إلى القيادة عبر عمليات تتخذ الطابع الرسمي بصورة متزايدة، وتعتمد على الأنظمة وفرق العمل. ففي المرحلة الأولى، تكمن جدارة المؤسس في توظيف الدفعة الأولى من الكفاءات الأساسية، وإنجاز مهام متنوعة مثل إبرام الصفقات مع أوائل العملاء وتحديد ملامح المنتج. وبطبيعة الحال، يمتلك المؤسسون الأكفاء براعة استثنائية في أداء مهام متعددة واتخاذ قرارات مهمة وسريعة.
أما في مرحلة التوسع، فيتحول هذا السلوك ذاته إلى عائق؛ إذ يجب على المؤسس أن ينتقل من دور المسؤول الأول عن حل المشكلات إلى دور المشرف الرئيس، حيث يتعين عليه أن يسهم في تصميم الهياكل والعمليات وفرق العمل، والتي يمكن من خلالها اتخاذ مئات القرارات بكفاءة دون تدخله المباشر. وهذا يعني تعلم كيفية تفويض المهام وقيادة موظفين لا يلتقي بهم بصفة يومية. وتصبح الكفاءة في شرح وإيصال الإستراتيجية بوضوح تام وسيلةً لضمان لتنفيذها الفعًّال عن بُعد، وتتزايد أهمية المقدرة على قياس التقدم من خلال البيانات وأنظمة الإدارة بدلًا من الاعتماد على البديهة وحدها.
ويتمثل التحول الأهم في ضرورة أن يستمد المؤسسون شعورهم بالرضا من إنجازات الآخرين بدلًا من إنجازاتهم الشخصية. وقد يكون هذا التحول صعبًا، نظرًا إلى أن المؤسسين قد يضعون معايير مرتفعة بصورة غير واقعية. وهناك تحول آخر يتعلق بإدارة العلاقات؛ إذ يتولى المؤسس بشكل متزايد إدارة علاقاته مع مجلس الإدارة والمستثمرين والجهات التنظيمية وكبار الموظفين المعينين من الخارج، ويتطلب التعامل مع كل طرف من هذه الأطراف أسلوبًا أكثر رسمية في التواصل والتفاعل.
بالاستناد إلى خبرتكم الواسعة في العمل مع رواد الأعمال والقيادات التنفيذية حول العالم، ما أبرز التحديات القيادية التي تواجه المؤسسين السعوديين عند توسيع أعمالهم داخل المملكة أو دخول أسواق إقليمية وعالمية؟
إن التحديات التي تواجه المؤسسين السعوديين هي ذاتها تحديات التوسع التي تواجه المؤسسين حول العالم. أولًا، من الصعب جدًا العثور على الكفاءات القيادية المتمرسة؛ فالدينامية الاقتصادية التي تخلق الفرص في المملكة العربية السعودية تؤدي في الوقت ذاته إلى منافسة شديدة على استقطاب القيادات التنفيذية ذات الخبرة.
وثانيًا، يجب على المؤسسين التكيف مع الهياكل الجديدة لرأس المال والحوكمة. فمع تدفق رؤوس الأموال إلى المملكة، يتعين عليهم أن يكتسبوا سريعًا إتقانًا لإدارة مجالس الإدارة وعلاقات المستثمرين وإعداد التقارير وفق المعايير المؤسسية.
كما يتعين على المؤسسين أن يدركوا أن ما ينجح في الرياض قد لا ينجح بالضرورة في القاهرة أو دبي أو لندن؛ إذ تختلف توقعات العملاء والبيئات التنظيمية وأسواق المواهب.
يميل العديد من المؤسسين إلى الاحتفاظ بمعظم سلطة اتخاذ القرار في المراحل المبكرة. كيف يمكن للقادة الانتقال بنجاح نحو بناء فريق تنفيذي مؤهل، يمتلك الصلاحية والثقة لقيادة المؤسسة بفاعلية؟
من المنطقي أن يحتفظ المؤسس بصلاحية اتخاذ جميع القرارات عندما تكون الشركة صغيرة، نظرًا إلى أنه الأكثر إلمامًا بتفاصيلها وظروفها. ولكن الأثر يصبح سلبيًا عندما يتحول المؤسس إلى حلقة لا بد أن تمر عبرها جميع المعلومات والصلاحيات. لذا، يتمثل المسار العملي للتفويض في التحديد الصريح للقرارات التي يحتفظ بها المؤسس، وتلك التي يتم اتخاذها بشكل مشترك، والقرارات التي تُترك بالكامل للفريق التنفيذي. ويمنح الوضوح في صلاحيات اتخاذ القرار، والمقاييس، والتبعات المترتبة عليها، القيادات التنفيذية مسؤولية فعلية بدلًا من التفويض الشكلي.
ويجب على المؤسسين بناء الفريق بالاستناد إلى أهداف مشتركة، وتشجيع النقاش الصريح داخل قاعات الاجتماعات، والالتزام الموحد خارجها. وعندما يثق التنفيذيون ببعضهم وليس بالمؤسس فحسب، يمكن للمؤسسة في نهاية المطاف العمل دون الاعتماد على المؤسس.
مع تسارع وتيرة النمو، كيف يمكن للشركات الناشئة الحفاظ على روح الابتكار وريادة الأعمال بالتزامن مع إرساء حوكمة قوية وأنظمة مؤسسية تدعم الاستدامة على المدى الطويل وتسهم في كفاءة اتخاذ القرار؟
إن القول بوجود تعارض بين روح ريادة الأعمال والحوكمة هو في الغالب اعتقاد خاطئ؛ فالحوكمة لا تعني البيروقراطية عندما يتم تطبيقها بصورة سليمة، بل ينبغي أن تكون بمثابة البنية التحتية التي تتيح التحرك بسرعة وفاعلية أكبر. كما أن الضوابط المالية الواضحة، وإدارة المخاطر، وإشراف مجلس الإدارة، تمنح الشركة المصداقية اللازمة للعمل في السوق وجمع رأس المال.
وعادة ما تكون الشركات التي تفقد روح ريادة الأعمال هي تلك التي تخلط بين الحوكمة والسيطرة، فتفرض مستويات متعددة من الموافقات على جميع القرارات دون تمييز. أما النهج الأفضل فيتمثل في التركيز على المجالات التي قد تكون فيها الأخطاء كارثية أو يتعذر تداركها، مع إبقاء عملية اتخاذ القرار مرنة وسريعة ولامركزية في الجوانب التي يكون فيها التجريب والابتكار منخفض التكلفة ويمكن التراجع عن نتائجه.
إلى أي مدى يُعد الاستثمار المبكر في تطوير المهارات القيادية عاملًا حاسمًا في نجاح الشركات خلال مرحلة التوسع؟ وما الأخطاء الأكثر شيوعًا التي ترتكبها الشركات عند تأجيل هذا الاستثمار؟
يمكن للشركة جمع التمويل خلال أشهر معدودة، إلا أن تطوير مدير ليصبح قائدًا تنفيذيًا قادرًا على إدارة قسم بأكمله يستغرق سنوات. فالشركات التي تستثمر مبكرًا في تطوير القدرات القيادية تصل إلى مرحلة التوسع وقد كونت قاعدة من الكفاءات المؤهلة والقادرة على مواكبة النمو. أما الشركات التي لا تفعل ذلك، فتجد نفسها مضطرة إلى ترقية موظفين انضموا إليها في مراحلها الأولى، يتسمون بالولاء ولكنهم غير مستعدين لتولي أدوار تفوق قدراتهم، أو إلى تعيين عدد كبير من القيادات التنفيذية من خارج الشركة؛ ما يعرضها لخطر عدم الانسجام مع ثقافة الشركة.
ويتمثل الخطأ الأكثر شيوعًا في التعامل مع تطوير القدرات القيادية بوصفه تكلفة يمكن تأجيلها بدلًا من كونه أصلًا يجب بناؤه. ويتمثل الخطأ الثاني في ترقية الموظفين الأفضل أداءً على المستوى الفردي إلى مناصب إدارية دون أي إعداد مسبق؛ والنتيجة قد تكون خسارة موظف متميز في تخصصه، وتحويله إلى مدير غير مهيأ للنجاح في دوره الجديد.
وأخيرًا، من الأخطاء الشائعة أيضًا الاكتفاء بتطوير عدد محدود من القيادات التنفيذية مع إهمال المستوى الإداري الأوسط الذي يترجم الإستراتيجية إلى تنفيذ يومي.
وعادةً ما تكتشف الشركات التي تؤجل هذا العمل حجم الفجوة لديها من خلال تسرب الموظفين، والإخفاق في تحقيق الأهداف، والإنهاك الذي يصيب المؤسس.
برأيك، ما السمات أو القدرات التي تميز القادة الذين يبنون مؤسسات مستدامة قادرة على الاستمرار لعقود، عن أولئك الذين يحققون نموًا سريعًا ولكنه غير مستدام؟
يبني قادة المؤسسات الراسخة منظومات متكاملة؛ في حين يبني قادة المؤسسات غير المستدامة صروحًا تعكس قدراتهم الشخصية.
ويتمتع القادة الذين يحققون نموًا سريعًا ولكنه غير راسخٍ بدافع استثنائي، لكنهم يعجزون عن بناء قدرات قيادية قوية في المستويات التي تليهم. وغالبًا ما يبرزون في مرحلة التأسيس، لكنهم يخفقون في التغير والتكيف مع تطور الشركة.
في ضوء مستهدفات رؤية السعودية 2030، كيف ترون دور تطوير القيادات التنفيذية في تعزيز تنافسية الشركات السعودية وتمكينها من التطور لتصبح مؤسسات إقليمية وعالمية رائدة؟
تُمثل رؤية السعودية 2030 تحولًا جذريًا في القدرات المطلوبة من المؤسسات السعودية، غير أن المؤسسات لا تتغير إلا بوتيرة تغير قادتها. لذا، يُعد تطوير القيادات التنفيذية آلية تمكين مركزية ضمن رؤية 2030. فكل مشروع من المشاريع العملاقة، وكل عملية خصخصة، وكل شركة خاصة تمر بمرحلة التوسع، تتطلب قيادات تنفيذية قادرة على إدارة الموارد وقيادة فرق عمل متعددة الجنسيات وفقًا لمعايير عالمية.
ويمثل تطوير القيادات بالنسبة للشركات السعودية على وجه التحديد بوابة الانتقال من شركة وطنية رائدة إلى مؤسسة إقليمية وعالمية.
كيف تسهم برامج كلية لندن لإدارة الأعمال في إعداد المؤسسين والقيادات التنفيذية في المملكة العربية السعودية لدفع عجلة النمو وإدارة المؤسسات بكفاءة مع تزايد حجمها وتعقيد عملياتها؟ وما القيمة الفريدة التي تقدمها هذه البرامج للقادة في ظل التحول الاقتصادي الحالي الذي تشهده المملكة؟
ترتكز مساهمة كلية لندن لإدارة الأعمال على الجمع بين معايير عالمية رفيعة والتزام حقيقي بالسياق المحلي. وتُصنف الكلية في المرتبة الأولى عالميًا وفقًا لصحيفة فاينانشال تايمز في برامج التعليم التنفيذي المفتوحة، وقد أصبحت المملكة العربية السعودية من أهم شركائنا. فلا يتلقى المؤسسون والقيادات التنفيذية السعوديون منهجًا دراسيًا عامًا، بل ينضمون إلى برامج متطورة تراعي السياق المحلي ضمن محتواها.
كما تضم الكلية هيئة تدريس من باحثين رائدين على مستوى العالم ومستشارين متمرسين لرواد الأعمال والشركات العالمية؛ ما يعني أن أطر العمل التي تُدرَّس تقوم على البحث والأدلة، بدلًا من الاعتماد على التجارب الشخصية. بالإضافة إلى ذلك، نحن نوفر مجتمعًا عالميًا من الأقران، حيث يتعلم القادة السعوديون جنبًا إلى جنب مع مجموعة استثنائية من القيادات الدولية.
وقد صُممت برامج كلية لندن لإدارة الأعمال خصيصًا للقادة الذين يتعاملون مع متطلبات التحول، وتحديدًا الظروف التي تواجه القيادات التنفيذية السعودية يوميًا.


