أمسكت هاتفي الجوال في يدي، وسألت طلابي: كم تساوي قيمة هذا الهاتف؟ وطلبت منهم ألا يتسرعوا في الإجابة. قلت لهم: لننظر إليه أولًا باعتباره مجرد مادة خام. ممَّ يتكون؟، حديد، وألومنيوم، ونحاس، وقصدير، وكوبالت، وزجاج، والقليل جدًا من الذهب والفضة، وغيرها من المواد التي نعرف أسعارها في الأسواق. فإذا وزنا هذه المواد وحسبنا قيمتها باعتبارها مواد خام فقط، فكم ستساوي هذه الجرامات المكونة للهاتف؟ أجاب بعضهم: ربما خمسة دولارات، أو عشرة دولارات.
القيمة
ابتسمت وسألتهم: إذن، ماذا حدث؟ كيف انتقلت قيمة هذا الشيء من خمسة أو عشرة دولارات كمجرد مواد خام إلى آلاف الدولارات كمنتج؟.. جاءت الإجابة التي كنت أنتظرها: القيمة.
إنها القيمة التي أضيفت إلى المواد الخام: التصميم، والتكنولوجيا، والبرمجيات، والبحث والتطوير، والعلامة التجارية، والثقة، وتجربة المستخدم، والخدمات، والتوزيع، وغيرها.
الأسئلة الأهم
في نموذج العمل التجاري Business Model Canvas، تمثل القيمة المقترحة Value Proposition أحد المكونات التسعة الأساسية، وهي إجابة عن سؤال جوهري: لماذا يختار العميل منتجك أو خدمتك؟
تقودنا الإجابة إلى أسئلة أعمق: ما القيمة التي يحصل عليها العميل؟، من يحددها؟، وما علاقتها بالسعر؟، وهل ارتفاع القيمة يعني بالضرورة ارتفاع السعر؟، وهل يمكن أن يكون المنتج عالي القيمة وسعره منخفضًا؟
هذه الأسئلة مهمة لرائد الأعمال؛ لأن المشروع لا ينجح بمجرد امتلاك منتج جيد، وإنما عندما يصنع قيمة حقيقية ويوصلها إلى العميل ويُحْسِن تسعيرها.
ماذا تعني القيمة؟
القيمة هي ما يحصل عليه العميل من منفعة أو فائدة أو أثر مقابل ما يدفعه للحصول على المنتج أو الخدمة، لكنها ليست ثابتة داخل المنتج؛ فالمنتج الواحد قد يحمل قيمًا مختلفة لعملاء مختلفين.
الهاتف مثلًا، قد يكون لشخص وسيلة اتصال، ولآخر أداة عمل، ولثالث وسيلة لصناعة المحتوى، ولرابع رمزًا للانتماء إلى علامة تجارية.
لذلك ترتبط القيمة بإدراك العميل؛ فقد يرى صاحب المشروع أن منتجه رائع، لكن القيمة الحقيقية تظهر عندما يرى العميل أن هذه المزايا ذات قيمة بالنسبة إليه.
القيمة في التجربة.. لا في المنتج وحده
لا تأتي القيمة من المنتج فقط، بل من العوامل المحيطة به؛ مثل سرعة الطلب والتوصيل، والضمان، وخدمات ما بعد البيع، وسهولة التواصل وحل المشكلات، والراحة والخصوصية.
وأحيانًا تختلف القيمة دون تغيير المنتج، باختلاف الشريحة والمكان والتوقيت ودرجة الحاجة؛ فقد يكون سعر غرفة الفندق عاديًا في الأيام المعتادة، ثم ترتفع قيمتها وسعرها خلال موسم سياحي أو أثناء فعالية كبرى.
وقد لا تمثل المظلة قيمة كبيرة في الأجواء المعتدلة، لكنها تصبح شديدة الأهمية لمن يحتاج إليها فجأة أثناء هطول المطر. وقد تكون صورة، أو ساعة، أو قطعة مرتبطة بذكرى عائلية، ذات قيمة لا يمكن اختزالها في مادتها أو تكلفتها.
إذًا، لا توجد قيمة واحدة مطلقة لجميع العملاء، بل تتشكل وفقًا للسياق والحاجة والتوقيت والظروف.
القيمة والسعر.. شيئان مختلفان
السعر هو ما يدفعه العميل، بينما القيمة هي ما يعتقد أنه يحصل عليه مقابل ما دفعه؛لذلك قد يكون السعر منخفضًا مقارنة بالقيمة المدركة، أو مساويًا لها تقريبًا، أو أعلى منها فيرفض العميل الشراء.
وليست القيمة هي العامل الوحيد في التسعير؛ فالتكلفة، والعرض والطلب، والمنافسة، والعلامة التجارية، والقدرة الشرائية، والاستراتيجية، والتوقيت والمخاطر؛ كلها عوامل مؤثرة، لذا فإن ارتفاع القيمة لا يعني بالضرورة ارتفاع السعر؛ فقد يكون المنتج عالي القيمة وسعره منخفضًا بسبب انخفاض التكلفة أو استراتيجية المشروع أو نموذج الإيرادات.
أخطاء شائعة
ومن الأخطاء الشائعة أن يحسب رائد الأعمال تكلفة المنتج، ثم يضيف هامش ربح ثابتًا ويعتبر الناتج هو السعر. لكن هندسة السعر تحتاج إلى النظر في التكاليف المباشرة وغير المباشرة، والوقت والجهد، والشحن والتحميل، والإيجار، والموظفين، والتسويق والرسوم، ثم مقارنة ذلك بالأسعار والجودة والمنافسين.
لماذا لا يمكن تعميم تجربة العلامات التجارية العالمية؟
توضح رولكس أن القيمة قد تتجاوز المنتج المادي؛ فالنُدرة، والثقة، وتاريخ العلامة، والمكانة، والتجربة، كلها تجعل العميل مُستعدًا للانتظار ودفع سعر مرتفع، لكن لا يجوز تعميم ذلك على كل الأسواق.
ما ينطبق على رولكس أو آبل ذات الرصيد التاريخي والثقة المتراكمة لا ينطبق على شركة ناشئة بدأت أمس. لكل سوق وقطاع منطقه الخاص؛ فللذهب مثلًا منطق سعري مختلف؛ لأنه يتأثر بسوق عالمي وعوامل مالية وعرض وطلب؛ لذا يجب أن تفهم ثوابت قطاعك قبل أن تخطط لقيم منتجاتك وخدماتك.
صناعة القيمة ذكاء تجاري
رائد الأعمال الذي يحارب على السعر فقط قد يدخل سباقًا نحو الهاوية؛ فكلما خفَّض، ظهر منافس يُخفِّض أكثر، حتى تتراجع القدرة على الاستثمار في الجودة والخدمة والتطوير. البديل هو بناء قيمة تبرر الاختيار: تجربة أفضل، ثقة أكبر، سرعة أعلى، تخصص أدق، ضمان، خدمة ما بعد البيع، أو حل مشكلة بطريقة يصعب على المنافس نسخها.
وفي ريادة الأعمال لا يشترط أن تكون الأفضل في كل شيء، بل أن تكون متميزًا في شيء يهم العميل.
القيمة والأخلاق
الربح ليس عدوَّا للقيمة، والسعر المرتفع ليس دليلًا على الاستغلال بالضرورة. والنجاح لا يُقاس بالرصيد البنكي وحده؛ فالثقة والأخلاق والسُمعة والاستمرارية تثري قيمة المشروع.
وفي مسألة أخلاق ريادة الأعمال، ذكرت كثيرًا هنا في مقالات سابقة، أن أخلاقيات ريادة الأعمال تتلخص في الحروف الأربعة لكلمة “ت ا جِ ر”، فالتاء: تقوى وتواضُع وتلطُّف، والألف: أمانة وإخلاص وإحسان، والجيم: جرأة وجسارة وجُود، والراء: رأفة ورِقة ورحمة بالزبون والمنافس، وحتى الموظف على حد سواء.
أخيرًا، قبل أن يسأل رائد الأعمال: بكم أبيع؟، عليه أن يسأل: ما المشكلة التي أحلها؟، ما النتيجة التي أحققها؟، ولمن؟، وما الوقت والجهد اللذان أوفرهما؟، فالقيمة ليست السعر، والسعر ليس التكلفة، والعميل هو من يقرر في النهاية ما إذا كان ما يحصل عليه يستحق ما يدفعه، فالمشروع الناجح لا يبيع منتجًا فقط، بل يصنع قيمة، ويرسخها ، ويسعرها ،ويوصلها بطريقة تحقق المنفعة لكلٍ من العميل والشركة.


