1. من خلال عملك مع كبار التنفيذيين في بيئات أعمال متباينة، ما أبرز التحديات التي يواجهونها اليوم، والتي لم تكن مطروحة على طاولة الرؤساءالتنفيذيين قبل خمس سنوات؟ وكيف تعيد هذه التحديات تشكيل مواصفات القائد القادر على تولّي منصب الرئيس التنفيذي والنجاح فيه؟
على مدى السنوات الخمس الماضية، تفخر كلية لندن للأعمال (LBS) بدورها في دعم المسيرة المهنية لما يقارب ألف قيادية سعودية، من خلال برامجها للتعليم التنفيذي.
قبل خمس سنوات، لم يكن الرؤساء التنفيذيون يواجهون الوتيرة المتسارعة للتغيير التي نشهدها اليوم، أو التأثير المتنامي للذكاء الاصطناعي فبيئات العمل، أو مستويات عدم اليقين والتقلبات التي تفرضها التوترات الجيوسياسية، فضلًا عن تصاعد المخاطر السيبرانية واتساع نطاق التحولات التكنولوجية وتسارع وتيرتها.
باتت هذه العوامل تُحدث تغييرًا جوهريًا في كيفية تنافس المؤسسات وقيادتها، وفي ظل هذه المتغيرات، تظل الخبرة الفنية والفطنة التجارية من الركائز الأساسية للقيادة الناجحة، لكنها لم تعد كافية وحدها؛ فالرؤساء التنفيذيون الناجحون هم من يمتلكون القدرة على التعامل مع الغموض وعدم اليقين، ومراجعة المسلّمات وتحدي أساليب التفكير التقليدية، وتحويل التطورات التكنولوجية إلى قيمة ملموسة للأعمال.
كما يحتاجون إلى ذكاء عاطفي يمكّنهم من بناء الثقة، وتحفيز الأفراد، وقيادة فرق العمل خلال مراحل التغيير المستمر، ولا تكمن قوة القادة الأكثر تأثيرًا بالضرورة في امتلاكهم إجابات عن جميع الأسئلة، بل في تحلّيهم بالتواضع والفضول الفكري، وطرح الأسئلة الصعبة، والتحلّي بحُسن التقدير وسلامة القرار، إلى جانب تمكين الآخرين ومساندتهم لتحقيق إمكاناتهم والنجاح في أدوارهم.
2. عندما تنظرين إلى النساء المشاركات في برامج إعداد القيادات، ما المؤشرات التي تكشف لكِ عن امتلاك إحداهن الإمكانات التي تؤهلها لتولي منصب الرئيس التنفيذي؟ وهل تختلف هذه المؤشرات عن السمات التي اعتادت الشركات مكافأتها من خلال الترقيات الوظيفية؟
لا تقتصر مقومات تولّي منصب الرئيس التنفيذي على امتلاك أعلى مستوى من الكفاءة الفنية أو الخبرة المهنية، بل ترتبط أيضًا بكيفية اتخاذ القرارات في ظل الضغوط، والقدرة على تحفيز الآخرين وإشراكهم وكسب ثقتهم لضمان التزامهم بالرؤية المشتركة، كما تُعدّ الفضول الفكري، وحُسن التقدير والثقة في القدرة على مساءلة المسلّمات وتحدّي الافتراضات القائمة، إلى جانب مهارات الإصغاء والتعلّم والتكيّف، من الصفات الأساسية للقيادة الفعّالة.
غالبًا ما تكافئ نماذج القيادة التقليدية التوافق مع أنماط راسخة، مثل المسار المهني المتواصل دون انقطاع، أو إظهار الاستعداد الدائم للعمل والتواجد في جميع الأوقات، غير أن القيادة في أعلى المستويات تتطلب مقومات مختلفة؛ فهي تستلزم القدرة على استشراف المستقبل، وتحديدالفرص التي يمكن استثمارها والمخاطر التي ينبغي تجنّبها، وضمان التنفيذ الناجح للاستراتيجيات، فضلاً عن تهيئة بيئة تمكّن الآخرين من تحقيق النجاح.
3. ما نوع المهام والمسؤوليات المهنية التي يمكن أن تُحدث فارقاً جوهرياً في المسيرة المهنية لامرأة سعودية تطمح إلى تولّي منصب الرئيس التنفيذي؟ وإلى أي مدى تُسهم الخبرة العملية المباشرة في إدارة الإيرادات والعمليات، أو قيادة عمليات إعادة الهيكلة ومعالجة التحديات المؤسسية المعقّدة، في تعزيز فرصها لتولّي هذا المنصب، مقارنةً بالمؤهلات الأكاديمية والأقدمية الوظيفية؟
تتمثّل أكثر التجارب المهنية قيمةً في إسناد مهام إلى القيادات تتجاوز نطاق خبراتها المعتاد، وتضعها أمام مسؤولية مباشرة عن تحقيق النتائج، وقد يشمل ذلك قيادة تحوّل تشغيلي واسع النطاق، أو إدارة فريق متعدد التخصصات، أو تولّي مسؤولية إعادة هيكلة أعمال متعثّرة واستعادة أدائها.
وتسهم هذه التجارب في صقل القدرة على اتخاذ القرارات التجارية السليمة، وتعزيز مهارات التعامل مع التحديات واتخاذ القرارات الصعبة في ظل الضغوط، وتحرص المؤسسات الرائدة على تهيئة الفرص أمام المرأة لاكتساب خبرات مهنية متنوعة وواسعة النطاق، بما يعزّز جاهزيتها لتولّي المناصب القيادية العليا.
4. يمتلك قادة الأعمال اليوم بيانات ومعلومات ومشورة أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك، تظلّ العديد من القرارات مرهونة بحُسن التقدير والخبرة. فهل يمكن تنمية هذه القدرة واكتسابها بالتعلّم والتدريب؟ وكيف تُعِدّون القيادات التنفيذية لاتخاذ قرارات حاسمة في المواقف التي لا توجد فيها إجابةصحيحة وواضحة؟
يمكن تنمية حُسن التقدير من خلال الخبرة والممارسة، وإن كان من الصعب اختزاله في معادلة واحدة أو منهج ثابت، ويركّز البروفيسور السير أندرو ليكرمان، في أبحاثه حول حُسن التقدير، على القدرة على تحديد ما يستحق الاهتمام، وتفسير الأدلة، ومراجعة الافتراضات وتحدّيها، ومعرفة الوقت المناسب لاتخاذ القرار رغم حالة عدم اليقين، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لا يكمن التحدي في الوصول إلى المعلومات فحسب، بل في تحديد مدى موثوقيتها، وإدراك ما ينقصها وفهم ما تكشف عنه الأدلة ودلالاتها.
وفي كتابه الصادر عام 2025 بعنوان Judgement at Work: Making Better Choices، يسلّط السير أندرو الضوء على القيمة المستمرة لحُسن التقدير البشري في عصر الذكاء الاصطناعي، وكما يوضح: “مع تولّي الذكاء الاصطناعي تنفيذ العديد من المهام، يظلّ حُسن التقدير إحدى القدرات التي يمتلكها الإنسان ويقدّمها”.
وفي كلية لندن للأعمال، نُعِدّ القيادات التنفيذية من خلال إتاحة الفرصة للتعامل مع تحديات الواقع العملي، كما نشجّعها على اختبار افتراضاتها والتأمل في تبعات القرارات التي تتخذها؛ فالهدف بناء الثقة بالنفس وترسيخ الانضباط الفكري اللازم لاتخاذ قرارات مدروسة، والتعلّم من نتائجها.
5. قد يكون إقناع القيادات التنفيذية ذات الخبرة الواسعة بتغيير طريقة تفكيرها من أصعب التحديات. فما الذي يساعدها على إدراك أن الأساليب التي أسهمت في نجاحها المهني وبناء مسيرتها القيادية قد تصبح اليوم عائقاً أمام تطورها وتقدّمها؟ وهل يمكنك مشاركة مثال من واقع عملك مع القيادات العليا يوضّح ذلك؟
لا شك أن الخبرة تمنح القادة معرفة واسعة وقدرة على اتخاذ القرارات، لكن ما نجح في الماضي قد لا يكون بالضرورة مناسبًا لتحديات اليوم؛ فالتطور التكنولوجي وتغيّر متطلبات سوق العمل يفرضان على القيادات التنفيذية إعادة النظر في بعض الأساليب المعتادة، والانفتاح على أفكار وطرق عمل جديدة.
وهذا لا يعني التخلي عن الخبرات السابقة، بل الاستفادة منها مع الاستعداد للتعلّم والتغيير. وفي ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة، يحتاج القادة إلى المرونة وحسن التقدير والقدرة على التعامل مع التحديات، إلى جانب الثقة في اتخاذ القرارات والشجاعة في التعبير عن آرائهم بوضوح.
فعلى سبيل المثال، نشجّع القيادات العليا المشاركة في برنامجنا “القيادة إلى المستوى التالي” (Next-Level Leadership) على التراجع خطوةً إلى الوراء لإعادة النظر في أنماط التفكير المألوفة، ومساءلة الافتراضات القائمة، واستكشاف وجهات نظر متنوعة، والاستناد إلى أدلة ومعطيات حديثة تدعم اتخاذ قرارات أكثر وعيًا وفاعلية.
6. يمكن للشركات أن تستثمر في تطوير القيادات النسائية، ومع ذلك لا تعيّن سوى عدد محدود جدًا من النساء في منصب الرئيس التنفيذي. أين تكمنالفجوة بين تطوير الكفاءات القيادية وإسناد المناصب التنفيذية العليا؟ وما الذي ينبغي لمجالس الإدارة وأصحاب الشركات القيام به لتحويل الإمكاناتالقيادية للمرأة إلى تعيينات فعلية في هذه المناصب؟
غالبًا ما تكمن الفجوة في عدم الربط بين تطوير المواهب ومعالجة التحديات التي قد تواجهها القيادات النسائية عند السعي إلى التقدم المهني، ولذا ينبغي للمؤسسات أن تسعى إلى فهم هذه العقبات، والعمل على إيجاد مسارات حقيقية تُمكّن المرأة من الوصول إلى أعلى المناصب القيادية.
تحصل النساء على المؤهلات العلمية، ويطوّرن مهاراتهن، ويحققن مستويات استثنائية من الأداء، ومع ذلك، غالبًا ما يفتقرن إلى فرص الوصول إلى المهام المهنية النوعية والتجارب العملية التي تُشكّل محطات مفصلية في مسيرتهن المهنية، وإلى فرص الظهور وإثبات القدرات أمام مجالس الإدارة، وهي عوامل تؤخذ في الاعتبار عند تعيين الرؤساء التنفيذيين، ومن شأن توفير الرعاية المهنية الداعمة، ووضع معايير واضحة للتقدم الوظيفي، وضمانإتاحة الفرص للنساء لإبراز قدراتهن وكفاءاتهن، أن يسهم في معالجة هذه الفجوة.
أما النساء اللواتي يصلن إلى أعلى المناصب القيادية، فغالبًا ما يتميّزن بتبنّي نهج التعلّم المستمر مدى الحياة، وبناء شبكات علاقات متنوعة، والسعي إلى خوض تجارب استراتيجية وتحديات مهنية توسّع آفاقهن وتدفع بقدراتهن إلى مستويات جديدة.
كما يحرصن على طلب التغذية الراجعة،والتعلّم من الإخفاقات والتحديات، وإعادة النظر في افتراضاتهن وقناعاتهن. وتُعدّ الطلاقة الرقمية أيضًا من المتطلبات الأساسية للقيادة الناجحة؛ إذ تجمع القيادات الفاعلة بين فهم إمكانات الذكاء الاصطناعي والقدرة على توظيفه، والحُكم البشري السليم، بما يعزّز الابتكار، ويخلق قيمة للأعمال، ويحقق أثرًا إيجابيًا مستدامًا.
بقلم هيلين كيركنتزس؛ نائبة العميد والمدير العام لمكتب التعليم التنفيذي بالرياض كلية لندن للأعمال


