لم تنتهِ أزمة ارتفاع الأسعار بمجرد تراجع معدلات التضخم أو انخفاض حدة المخاوف مقارنة بالسنوات الماضية؛ فالمستهلك الذي اضطر إلى تعديل ميزانيته وتقليص إنفاقه لم يستعد بالضرورة شعوره بالاستقرار المالي، ورغم انحسار القلق في عدد من الاقتصادات الكبرى، لا تزال تكاليف المعيشة والأسعار المرتفعة حاضرة في حسابات الأسر، وتؤثر في قرارات الشراء والادخار والإنفاق اليومي.
ووفقًا لوكالة «رويترز»، أدت التطورات الاقتصادية المرتبطة بأسواق الطاقة والتوترات الجيوسياسية -بما في ذلك التأثيرات المباشرة على إمدادات النفط وتكاليفه- إلى إمكانية فرض ضغوط تضخمية مستجدة. بالتوازي مع ذلك، يعكس استمرار الصين والهند في شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة تباين قدرة الاقتصادات على امتصاص صدمات الطاقة. وهو ما يفسر الاختلاف الواضح في مستويات قلق المستهلكين بين دولة وأخرى.
وتشير بيانات استطلاع «ستاتيستا كونسيومر إنسايتس» إلى أن المخاوف المرتبطة بالتضخم تراجعت في عدد من الدول مقارنة بمستوياتها السابقة. لكنها لم تختفِ من قائمة القضايا التي تشغل المواطنين. وتكشف هذه النتائج عن اختلاف واضح بين الاقتصادات؛ إذ تتباين تجارب المستهلكين وفقًا لظروف كل سوق. ومدى تأثره بأسعار الطاقة والسلع الأساسية والتطورات الاقتصادية العالمية.
من اضطرابات سلاسل الإمداد إلى التوترات الجيوسياسية
وبدأت موجة ارتفاع الأسعار العالمية خلال عام 2021، مع اضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بجائحة كورونا، التي أثرت في حركة التجارة وتوافر السلع وتكاليف نقلها. ومع تعافي الاقتصادات وعودة الطلب، واجهت الأسواق صعوبات في تحقيق التوازن بين العرض والطلب. وهو ما ساهم في زيادة الضغوط السعرية على المستهلكين.
ثم تفاقمت الأزمة مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، وما صاحبها من اضطرابات في أسواق الطاقة والمواد الغذائية والسلع الأساسية. ولم تقتصر آثار هذه التطورات على الدول المتورطة في الصراع. بل امتدت إلى اقتصادات عديدة تعتمد على استيراد الطاقة والمواد الخام، لتجد الشركات والأسر نفسها أمام تكاليف أعلى للإنتاج والنقل والاستهلاك.
وعلى الرغم من تراجع بعض الضغوط لاحقًا، لم تتوقف العوامل المؤثرة في الأسعار. إذ ظهرت تحديات جديدة مرتبطة بالتعريفات الجمركية والتوترات التجارية، إلى جانب تداعيات حرب إيران على أسواق الطاقة. وبناءً على ذلك، لم يعد القلق من التضخم مرتبطًا بصدمة واحدة، بل أصبح متصلًا بمجموعة من المتغيرات الاقتصادية والسياسية التي قد تعيد الضغوط السعرية إلى الواجهة.
تراجع القلق مقارنة بعام 2023
توضح بيانات استطلاع «ستاتيستا كونسيومر إنسايتس» أن التضخم كان من أبرز القضايا التي تشغل المشاركين في عدد من الاقتصادات الكبرى خلال عام 2023. إذ بلغت النسبة 63% في المملكة المتحدة، و56% في ألمانيا، و53% في إيطاليا، و52% في الولايات المتحدة. وتعكس هذه الأرقام حجم القلق الذي صاحب موجة ارتفاع الأسعار خلال تلك الفترة، بعدما تأثرت ميزانيات الأسر بزيادة تكاليف السلع والخدمات.
وبحلول 2026، تراجعت نسب القلق في هذه الاقتصادات إلى مستويات تراوحت بين 41% و57%. ورغم هذا الانخفاض، فإن بقاء النسب عند مستويات مرتفعة نسبيًا يؤكد أن التضخم لا يزال قضية مهمة لدى شريحة واسعة من المستهلكين. حتى مع انحسار المخاوف مقارنة بذروتها السابقة.
من ناحية أخرى، لا يعني تراجع القلق أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة أو أن الأعباء المالية اختفت. فالمستهلك قد يتكيف مع الأسعار الجديدة، ويعيد ترتيب أولوياته، ويقلص بعض النفقات غير الضرورية. لكنه يظل متأثرًا بما يدفعه مقابل احتياجاته الأساسية. ولهذا، يجب التمييز بين تباطؤ ارتفاع الأسعار وبين انخفاض مستوياتها الفعلية، فالأمران لا يحملان المعنى الاقتصادي نفسه.
اليابان وأستراليا
لم تسجل جميع الدول تراجعًا متشابهًا في القلق من ارتفاع الأسعار؛ إذ برزت اليابان باعتبارها حالة مختلفة، بعدما أصبح المستهلكون فيها أكثر قلقًا مقارنة بما كانوا عليه قبل ست سنوات. ويعكس ذلك تغيرًا في البيئة الاقتصادية التي اعتادها المواطنون، ومدى تأثير التحولات السعرية في توقعاتهم بشأن تكاليف المعيشة والاستقرار المالي.
أما أستراليا، فقد شهدت انخفاضًا محدودًا في مستويات القلق، بلغ أربع نقاط مئوية فقط مقارنة بعام 2023. ويشير هذا التراجع المحدود إلى استمرار حساسية المستهلكين تجاه الأسعار، رغم انحسار المخاوف في عدد من الاقتصادات الأخرى. وهو ما يؤكد أن التطورات العالمية لا تنعكس بالدرجة نفسها على جميع الأسواق.
وتكشف المقارنة بين اليابان وأستراليا وبقية الاقتصادات الكبرى أن مستوى القلق لا يتحدد بالاتجاه العام للتضخم وحده؛ بل يتأثر أيضًا بالظروف المحلية وقدرة الأسر على تحمل النفقات. فضلًا عن توقعاتها بشأن الأسعار خلال الفترات المقبلة. ولذلك، قد يشعر المستهلكون في دولة ما بضغط أكبر حتى عندما تكون المخاوف العالمية في مسار تراجعي.
الهند والصين
وعلى الجانب الآخر، تضم قائمة الدول الأقل تأثرًا بموجة القلق من التضخم الهند والصين، اللتين استفادتا من ظروف سوق الطاقة عبر شراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات بأسعار مخفضة. وأتاح هذا التوجه لهما الاستفادة من خصومات على الإمدادات النفطية، في وقت واجهت فيه أسواق أخرى ضغوطًا مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة وتقلبات الإمدادات.
وفي المقابل، سجلت اقتصادات مثل الأرجنتين والبرازيل تراجعًا في مستويات القلق مقارنة بالفترات السابقة. ويعكس ذلك اختلاف مسارات التجارب الاقتصادية بين الدول، لا سيما أن بعض هذه الاقتصادات واجهت أزمات تضخمية خلال سنوات سابقة. ما يجعل المقارنة بين مستويات القلق الحالية والسابقة أكثر ارتباطًا بتجربة كل مجتمع مع الأسعار.
لماذا يستمر القلق رغم تراجع التضخم؟
تكمن الإجابة في أن تراجع معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار التي يدفعها المستهلك. فحتى عندما تتباطأ وتيرة الزيادة، تظل الأسعار عند مستوياتها المرتفعة ما لم تحدث انخفاضات فعلية. وهذا يفسر استمرار شعور الأسر بالضغط المالي، خصوصًا عندما تكون الزيادات السابقة قد استنزفت جزءًا من الدخل والمدخرات.
كذلك، تؤثر توقعات المستهلكين بشأن المستقبل في مستوى القلق. فاحتمال عودة ارتفاع أسعار الطاقة أو زيادة تكاليف السلع المستوردة يدفع الأسر إلى توخي الحذر في الإنفاق، وتأجيل بعض المشتريات، وإعادة ترتيب الميزانيات. كما أن التوترات التجارية والصراعات الجيوسياسية تزيد صعوبة التنبؤ بمسار الأسعار خلال الفترات المقبلة.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن اعتبار تراجع المخاوف من التضخم دليلًا كافيًا على انتهاء تأثيراته الاقتصادية والاجتماعية. فالأرقام تكشف تحسنًا نسبيًا في نظرة المستهلكين داخل عدد من الدول، لكنها تؤكد أيضًا استمرار القلق في أسواق أخرى. وبين تحسن المؤشرات وبقاء تكاليف المعيشة مرتفعة، تظل قدرة الأسر على استعادة قوتها الشرائية العامل الأهم في تحديد ما إذا كانت آثار الأزمة قد بدأت بالفعل في الانحسار.


