لطالما ارتبط التسويق بفن جذب العملاء وتحقيق المبيعات إلا أن فهم سلوكيات المستهلكين ودوافعهم ظل محصورًا في نطاقات ضيقة قبل ظهور التسويق النفسي، ففي الماضي لم تكن هناك دراسات عميقة لفهم احتياجات العملاء وتوقعاتهم؛ ما أدى إلى غياب التواصل الفعال بين التسويق وعلم النفس.
ولكن مع ظهور التسويق النفسي تغيّر المشهد تمامًا؛ فهو حجر الأساس لأي شركة ناجحة تسعى إلى تحقيق أهدافها في عالم تنافسي؛ فكل قسم تسويق حريص على الاستعانة بخبراء في علم النفس لفهم سلوكيات المستهلكين، وتطوير استراتيجيات تسويقية تلامس احتياجاتهم وتحفزهم على الشراء.
ما التسويق النفسي؟
تعرّف كلية “هارفارد” للأعمال التسويق النفسي بأنه استخدام مبادئ علم النفس لفهم سلوكيات المستهلكين ودوافعهم؛ حيث يُساعد تطبيق هذه المبادئ على استراتيجيات التسويق في فهم أفضل لكيفية استجابة الناس للإعلانات والعروض الترويجية؛ ما يُمكّن المسوقين من استهداف الجمهور المناسب بشكلٍ فعّال.
في الأساس يعتمد مصطلح التسويق النفسي على فهم كيفية عمل الدماغ البشري وكيفية اتخاذه للقرارات، ومن خلال فهم الاختصارات الذهنية التي يستخدمها الناس لتقييم المعلومات يصمم المسوقون حملاتهم بطريقة تُؤثر في سلوكيات المستهلكين بشكل إيجابي.
أمثلة على التسويق النفسي
- استغلال مبدأ السلطة (الاستخدام الشرعي للقوة بطريقة مقبولة اجتماعيًا): تستفيد بعض الشركات، مثل: Glossier الأمريكية، من مبدأ السلطة لتعزيز الثقة بمنتجاتها؛ من خلال استخدام عبارات تُوحي بالخبرة أو الاعتماد على رأي خبراء مثل: “نصيحة احترافية”.
وبطبيعة الحال يثق المستهلكون بشكلٍ طبيعي في الأشخاص الذين يتمتعون بسمعة طيبة أو خبرة في مجالهم؛ ما يجعلهم أكثر ميلًا لشراء منتجاتهم.
- شعور بالإعجاب: تعتمد بعض الحملات التسويقية، مثل: رسائل البريد الإلكتروني من شركة Nasty Gal، على مبدأ الإعجاب لجذب انتباه المستهلكين، يتمّ ذلك باستخدام لغة تتناسب مع ذوق الجمهور المستهدف وعرض صور لأشخاص يشبهونهم من حيث الجاذبية أو الاهتمامات، وبلا شك يوفر ذلك شعورًا بالانتماء والتواصل؛ ما يُحفز المستهلكين على الشراء.
- الاستفادة من حساسية السعر: تُدرك بعض الشركات، مثل ASOS، أهمية فهم كيفية تفاعل المستهلكين مع مستويات الأسعار المختلفة، فعلى سبيل المثال: تقديم خصومات مغرية لجذب الطلاب الذين يملكون ميزانيات محدودة.
ويُساعد تحليل سلوكيات المستهلكين وتحديد نقاط الأسعار المثالية في تحسين فعالية الحملات التسويقية وزيادة المبيعات.
- شعور بالإلحاح والندرة: تُستخدم تقنية الإلحاح والندرة في العديد من الحملات التسويقية، مثل: إعلان إنستجرام لمنتج Revolve، يتمّ ذلك من خلال التلميح إلى أن عددًا محدودًا من المنتجات متاح، وهذا يُحفز المستهلكين على الشراء بسرعة قبل نفادها، وهنا يلعب الخوف من ضياع الفرصة دورًا مهمًا في دفع المستهلكين إلى اتخاذ قرار الشراء.
- تقديم عروض حصرية: تجذب المنتجات الحصرية، مثل: خط إنتاج شركة Tommy Hilfiger الأمريكية، المستهلكين الذين يسعون إلى التميز واكتساب مكانة اجتماعية أعلى، وبالتأكيد يُضفي مبدأ الندرة قيمة على المنتجات؛ ما يُشجع المستهلكين على الشراء حتى لو كانت أسعارها أعلى.

نظريات التسويق النفسي
في عالم التسويق المُحتدم يُعد فهم سلوكيات المستهلكين ودوافعهم أمرًا بالغ الأهمية لنجاح أي حملة تسويقية؛ ولهذا السبب يلجأ المسوقون إلى استخدام مبادئ علم النفس في استراتيجياتهم التسويقية لصنع تأثير أقوى في الجمهور المستهدف، وفيما يلي أهم نظريات علم النفس في التسويق:
الإثبات الاجتماعي
يرتكز مبدأ الإثبات الاجتماعي على ميل البشر إلى الثقة بمنتج أو خدمة عندما يرون أشخاصًا آخرين يثقون بها ويستخدمونها، ببساطة: يميل الناس إلى اتباع سلوكيات الآخرين، خاصةً إذا كانوا يثقون بهم أو يُشبهونهم.
كيف تستفيد من الإثبات الاجتماعي؟
- عرض شهادات وآراء العملاء: اجمع شهادات من عملاء راضين عن منتجاتك أو خدماتك واعرضها على موقعك الإلكتروني أو في موادك التسويقية، وتأكد من تضمين صور العملاء واسمهم وموقعهم لزيادة المصداقية.
- استخدام وسائل التواصل الاجتماعي: شجّع العملاء على مشاركة تجاربهم مع علامتك التجارية على وسائل التواصل الاجتماعي؛ من خلال حملات مُخصصة أو مسابقات، ويمكنك أيضًا استخدام أدوات مثل: “Social Proof Widgets” لعرض تعليقات العملاء الإيجابية مباشرة على موقعك الإلكتروني.
- التأكد من وجود أزرار المشاركة الاجتماعية: سهّل على العملاء مشاركة محتوى موقعك الإلكتروني أو منتجاتك على وسائل التواصل الاجتماعي؛ عن طريق دمج أزرار المشاركة الاجتماعية بشكل واضح في جميع صفحات موقعك.
- التعاون مع المؤثرين: تعاون مع شخصيات مؤثرة في مجال عملك للترويج لمنتجاتك أو خدماتك لجمهورهم، واختر مؤثرين يتوافقون مع قيم علامتك التجارية ويُمثلون جمهورك المستهدف بشكل دقيق.
كراهية الخسارة
يُشير مبدأ كراهية الخسارة إلى ميل البشر لتجنب الخسارة أكثر من سعيهم لتحقيق المكاسب، بمعنى آخر: يُفضل الناس الحفاظ على ما لديهم بدلًا من المخاطرة بفقدانه.
كيف تستفيد من كراهية الخسارة؟
- تقديم عروض محدودة الوقت: ولّد شعورًا بالإلحاح من خلال تقديم عروض لفترة محدودة أو بكميات محدودة، تأكد من توضيح مدة العرض، مثل: “احصل على خصم 20 % لفترة محدودة” أو “آخر فرصة لشراء هذا المنتج”.
- تأكيد فوائد الشراء: أظهر القيمة التي يقدمها منتجك أو خدمتك وكيف يمكن أن يساعد العملاء في تجنب الخسارة، على سبيل المثال: قد تُشير إلى كيفية مساعدة منتجك في توفير المال على المدى الطويل.
- استخدام لغة قوية تُحفز على اتخاذ الإجراء: استخدم عبارات مثل: “لا تفوّت هذه الفرصة” أو “احصل على خصم حصري الآن” أو “تجنب خيبة الأمل، اطلب منتجك اليوم”.
الإلحاح والندرة
يعتمد مبدأ الإلحاح والندرة على ميل البشر إلى إعطاء قيمة أعلى للعناصر التي تبدو محدودة أو نادرة؛ فعندما يشعر الناس بأن شيئًا ما نادرًا أو قد ينفد بسرعة يصبحون أكثر ميلًا لشرائه.
كيف تستفيد من الإلحاح والندرة؟
- تأكيد توفر كميات محدودة: أخبر العملاء بأن منتجك متاح بكميات محدودة أو لفترة محدودة.
- استخدام عد تنازلي مرئي: اعرض عدًا تنازليًا يُظهر للعملاء الوقت المتبقي للحصول على عرض أو شراء منتج قبل نفاد المخزون.
- توليد شعور بالمنافسة: أخبر العملاء بأن هناك طلبًا كبيرًا على منتجك وأنه قد ينفد بسرعة.
المعاملة بالمثل
يُشير مبدأ المعاملة بالمثل إلى ميل البشر للرد على اللفتات الطيبة من الآخرين؛ فعندما يقدم شخص ما لنا شيئًا ذا قيمة نشعر بالالتزام بالرد عليه بالمثل.
كيف تستفيد من المعاملة بالمثل؟
- تقديم عينات مجانية أو عروض تجريبية: اجذب العملاء المحتملين من خلال تقديم عروض تجريبية مجانية أو عينات من منتجاتك، وتأكد من تقديم عينات ذات حجم كافٍ أو مدة كافية؛ ليتمكن العملاء من تجربة قيمة منتجك بشكل كامل.
- إنشاء محتوى قيّم: قدّم محتوى مجانيًا مفيدًا لجمهورك المستهدف، مثل: مدونات أو مقاطع فيديو أو كتب إلكترونية، وتأكد من أنه ذو جودة عالية ويُقدم حلولًا لمشاكل جمهورك.
- تقديم خدمة عملاء ممتازة: احرص على توفير تجربة عملاء إيجابية تحفزهم على الشراء منك مرة أخرى، وتأكد من سرعة الرد على استفسارات العملاء وحل مشاكلهم بكفاءة.
- إرسال رسائل شكر: اشكر عملاءك على شرائهم أو مشاركتهم أو تعليقاتهم؛ فذلك يُظهر تقديرك لهم ويُعزز ولاءهم لعلامتك التجارية.
تحيّز التثبيت
يرتكز مبدأ تحيّز التثبيت على ميل البشر إلى الاعتماد على أول معلومة يتلقونها عند اتخاذ القرارات، بمعنى آخر: يُشكل السعر أو المعلومة الأولى التي يتعرض لها المستهلك نقطة انطلاق لاتخاذ قراراته.
كيف تستفيد من تحيّز التثبيت؟
- استخدام عروض أسعار جذابة: اعرض سعرًا أوليًا جذابًا لمنتجك أو خدمتك، وتأكد من أن السعر مُقنع ويُقدم قيمة مقابل المال.
- تأكيد قيمة منتجك أو خدمتك: وضّح الفوائد والميزات التي يقدمها منتجك أو خدمتك لتبرير السعر، واستخدم لغة قوية تُبرز الفوائد الفريدة لمنتجك.
- استخدام عروض المقارنة: قارن أسعار منتجك أو خدمتك بأسعار منتجات أو خدمات مشابهة من منافسيك، وتأكد من إبراز نقاط قوتك وميزتك التنافسية.
نظرية فجوة المعلومات
تعتمد نظرية فجوة المعلومات على وجود فجوة لدى المستهلك في المعلومات حول شيء يهتم به، وذلك يدفعه إلى البحث عن المزيد من المعلومات لملء هذه الفجوة.
كيف تستفيد من نظرية فجوة المعلومات؟
- إنشاء محتوى إعلامي: أنشئ محتوى يُقدم معلومات قيّمة حول مشاكل جمهورك واحتياجاتهم، واستخدم مدوناتك أو قنواتك على وسائل التواصل الاجتماعي أو مقاطع الفيديو لشرح كيفية حل مشاكل جمهورك باستخدام منتجاتك أو خدماتك.
- استخدام عناوين جذابة: اكتب عناوين جذابة تُثير فضول القارئ فيتجه إلى النقر على المحتوى الخاص بك، واستخدم كلمات مفتاحية ذات صلة ببحث جمهورك.
- طرح أسئلة تُحفز التفكير: اطرح أسئلة على جمهورك تُحفزهم على التفكير في مشاكلهم واحتياجاتهم؛ يساعد ذلك في جذب انتباههم وجعلهم أكثر ميلًا للتفاعل مع محتواك.
- تقديم إجابات مُقنعة: تأكد من تقديم إجابات مُقنعة على أسئلة جمهورك، واستخدم بيانات وأدلة تدعم ادعاءاتك.
تأثير بيجماليون
يُشير تأثير بيجماليون، المعروف أيضًا باسم “تأثير روزنثال”، إلى أن توقعاتنا تجاه شخص أو شيء ما يمكن أن تؤثر في سلوكه أو أدائه، بمعنى آخر: عندما نتوقع من شخص ما أن ينجح فمن المرجح أن يبذل قصارى جهده لتحقيق ذلك.
كيف تستفيد من تأثير بيجماليون؟
- تحديد القيم الأساسية لعلامتك التجارية: حدد القيم الأساسية التي تميز علامتك التجارية ووضحها بشكل واضح لفريقك وعملائك، وتأكد من أن سلوكياتك وتصرفاتك تتوافق مع هذه القيم.
- تحديد أهداف واضحة: حدد أهدافًا واضحة وقابلة للقياس والتحقيق ومحددة زمنيًا لفريقك وعملائك، وتأكد من مشاركة هذه الأهداف مع جميع المعنيين.
- تقديم الدعم والتوجيه: قدم الدعم والتوجيه لفريقك وعملائك لمساعدتهم في تحقيق أهدافهم، وتأكد من توفير الموارد اللازمة لهم للنجاح.
- التعزيز الإيجابي: احتفل بإنجازات فريقك وعملائك، وامنحهم التقدير والثناء على جهودهم ونجاحاتهم.
- توفير بيئة إيجابية: وفر بيئة عمل إيجابية وداعمة، وشجّع على التواصل والتعاون بين أعضاء فريقك.
في النهاية تذكر أن التسويق النفسي ليس خداعًا أو تلاعبًا بمشاعر المستهلكين، بل هو أداة قوية لفهم سلوكياتهم وتلبية احتياجاتهم. استخدم علم النفس بشكلٍ أخلاقي ومسؤول لبناء علاقات قوية مع العملاء.

اقرأ أيضًا من رواد الأعمال:
تأثير الركود الاقتصادي في المبيعات.. حلول فعالة للنمو
استراتيجيات التسويق الناجحة.. دليل سريع مختصر
الاستحواذ على عملاء جدد.. ما دور التسويق؟
التسويق التفاعلي.. تعريفه وأهميته؟


