“أنا المؤسس، وأنا صاحب الخبرة، وأنا من يعرف التفاصيل عن غيري”، قد تبدو هذه العبارة في ظاهرها دلالة على الحرص والانتماء والخبرة، ولكنها في عمقها قد تكشف عن مشكلة إدارية كبيرة، مفادها أن الشركة لم تتحول بعد إلى كيان مؤسسي، بل ما زالت مرتبطة بشخص واحد؛ حضوره يحركها، وغيابه يربكها، وقراره يفتح الطريق، وتردده يوقف أعمالها.
ولا شك في أنَّ الحياة كلها قائمة على التعاقب؛ فلا منصب يدوم، ولا شركة تبقى لأحد، ولا كرسي إدارة كُتب عليه اسم صاحبه إلى الأبد؛ فمن يظن أن المؤسسة لا تقوم إلا به؛ فغالبًا ما يرهق نفسه أكثر مما يبني منظومة قادرة على الاستمرار.
واجهة تنفيذية
ومن جهة أخرى، فإن التخلص من هذا الفكر، لا يكون بقرار سريع أو استبدال شكلي؛ فاستبدال المؤسس بمدير تنفيذي موظف، دون نظام واضح ودون خطة انتقال ودون صلاحيات محددة، لا يعني أن الشركة أصبحت مؤسسية، بل قد يكون ذلك مجرد استبدال الأوحد بالوحيد ، أو في كثير من الأحيان تحويل المدير التنفيذي إلى مجرد واجهة تنفيذية أو سكرتير عند المالك/المؤسس.
غياب النظام
ليست المشكلة فقط في وجود المؤسس داخل التشغيل اليومي، ولا في غياب دوره الاستراتيجي، بل في غياب النظام الذي يسمح للشركة بأن تعمل بوضوح حتى لو خرج المؤسس من التفاصيل اليومية.
نحن هنا أمام مدير تنفيذي منزوع الدسم؛ بلا صلاحيات واضحة، ولا أهداف محددة، ولا مؤشرات قياس، ولا هيكل تنظيمي، ولا لائحة صلاحيات، ولا نظام متابعة؛ أي ليس مديرًا تنفيذيًا حقيقيًا، بل شخص جديد داخل نفس العشوائية القديمة.
وربما تكون الأزمة هنا أكبر؛ فالمالك سيحاسبه على النتائج، والموظفون لا يرون له سلطة كاملة، والقرارات الكبيرة ما زالت تعود إلى المؤسس، وكل تفصيلة مهمة لا تزال تمر بصاحب الشركة.
الإدارة الفردية
وهنا يصبح للشركة ظاهريًا مدير تنفيذي، ولكنها فعليًا ما زالت تعمل بمنطق الإدارة الفردية. الفرق الوحيد أن صلاحية اتخاذ القرار الأمور لم تعد عند المؤسس وحده، بل قد تتوقف عند موظف جديد لا يملك كامل السلطة، بينما يبقى المؤسس هو المتحكم الحقيقي في الخلفية.
وهذا ليس بناءً مؤسسيًا، بل نقل للضغط من كرسي إلى كرسي آخر، وتغيير اسم “المرجع”، مع بقاء العشوائية.
ميزان القوي الأمين
الإدارة الحقيقية ليست أن يمسك يقى المؤسس بكل شيء، وليست أيضًا في أن يغادر التفاصيل فجأة دون تجهيز؛ فالإدارة الحقيقية أن يبني المؤسس نظامًا يستطيع أن يعمل بوضوح، وأن يترك خلفه موظفين يحملون الأمانة بميزان:
﴿القوي الأمين﴾، و ﴿الحفيظ العليم﴾؛ فالقوة وحدها قد تُفسد، والأمانة وحدها قد تضعف أمام ضغط الواقع؛ أمَّا اجتماع القوة والأمانة فهو ما يصنع القادة.
والشركة التي تريد الاستمرار لا تحتاج فقط إلى شخص وفيّ، ولا إلى شخص قوي أو أمين فقط ، بل تحتاج إلى قيادة تملك الكفاءة، وتحترم النظام، وتعمل ضمن صلاحيات واضحة، وتُحاسب على نتائج محددة.
بناء أساس إداري واضح
لذلك، فإن تعيين مدير تنفيذي خطوة مهمة ومفيدة. لكنها ليست أول خطوة في كل الأحوال؛ فقبل التعيين أو بالتوازي معه. لا بد من بناء أساس إداري واضح. يشمل هيكلًا تنظيميًا يحدد الأدوار والمسؤوليات، ولائحة صلاحيات تفصل بين دور المالك ودور الإدارة التنفيذية، وأهدافًا استراتيجية وتشغيلية قابلة للقياس. ومؤشرات أداء واضحة، ونظام متابعة ومساءلة. وحدودًا فاصلة بين الملكية والإدارة، وآلية واضحة لاتخاذ القرار.
بدون ذلك، لن يكون المدير التنفيذي حلًا، بل سيكون جزءًا من المشكلة. وبدون ذلك. سيظل المؤسس مضطرًا للتدخل في كل صغيرة وكبيرة. حتى وهو يعلن أنه فوّض الإدارة لغيره.
ومع مرور العمر، يفهم الإنسان شيئًا مهمًا: أن الحياة لا تُدار بالقوة الدائمة؛ فبعد القوة ضعف. وبعد الصحة تعب. وبعد الحضور غياب، ومن فهم سنن الحياة. هانت عليه عواصفها، وسهلت عليه أمواجها المتلاطمة.
أعظم نجاح إداري
أعظم نجاح إداري للمؤسس ليس أن تبقى الشركة محتاجة إليه في كل قرار. بل أن تصبح قادرة على الاستمرار بعده. وليس أن يكون هو الأذكى دائمًا. بل أن يبني من بعده من هو قادر على حمل الأمانة. وربما أفضل منه في بعض الجوانب.
عليك أن تبذل ما استطعت، وأن تأخذ بالأسباب. وأن تبني النظام قبل الأشخاص، وأن تجهّز القادة قبل الانسحاب. وأن تفصل بين الملكية والإدارة. وأن تجعل الشركة كيانًا لا يتوقف عند فرد.
الخلاصة:
وضع الرجل المناسب في المكان المناسب لا يكفي دون خطة ونظام. وتعيين مدير تنفيذي لا يصنع شركة مؤسسية ما لم تُبنَ حوله صلاحيات واضحة، وأهداف محددة. ومؤشرات قياس، ونظام متابعة، وحدود فاصلة بين دور المالك ودور الإدارة.
فالكيان الحقيقي هو الذي يبقى، حين يتغير الأشخاص.


