لم تعد القيادة الفعالة تُقاس فقط بقدرة المدير على تحقيق الأهداف ورفع الإنتاجية؛ إذ يرى خبراء القيادة والإدارة أن مسؤولية المدير تمتد إلى بناء بيئة عمل تساعد الموظفين على الاستمرار بكفاءة، وتمنحهم مساحة كافية للتعافي والراحة.
وبحسب ما نقلته مجلة فورتشن، فإن الاهتمام برفاه الموظفين لم يعد مسؤولية فردية تقع على عاتق الموظف وحده. بل أصبح جزءًا من مسؤولية المؤسسات وقادتها. ويؤكد ديفيد تيت؛ خبير القيادة في كلية ييل للإدارة، أن الدراسات الحديثة تربط بين بيئة العمل الداعمة وارتفاع الاندماج والرضا والصحة النفسية. إلى جانب الأداء المستدام.
وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن حصول الموظفين على فترات راحة وإجازات يساعدهم على التعافي من ضغوط العمل، ويمكن أن ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية والأداء الوظيفي. كما توصي القادة بتشجيع الموظفين على الاستفادة من الإجازات. وأن يكون المدير نفسه نموذجًا في احترام وقت الراحة وعدم إرسال رسائل العمل خلال فترات الإجازة.
الإجازات ليست مؤشرًا على ضعف الالتزام
ويرى خبراء القيادة أن رصيد الإجازات لا ينبغي التعامل معه باعتباره مؤشرًا على ضعف التزام الموظف أو المدير. خصوصًا عندما تتحول ثقافة العمل إلى تشجيع الموظفين على البقاء متاحين بصورة مستمرة. فالإفراط في العمل وعدم الحصول على فترات كافية للراحة قد يؤديان إلى تراجع القدرة على الاستمرار بكفاءة.
ومن هذا المنطلق، تصبح مهمة المدير أكثر ارتباطًا بتنظيم العمل وتوزيع المسؤوليات. بدلًا من قياس الالتزام بعدد الساعات التي يقضيها الموظفون في أداء مهامهم.
وتشير الأدلة التي تستعرضها الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن الموظفين الذين يحصلون على فترات راحة مناسبة يكونون أكثر إنتاجية وأقل تعرضًا للاحتراق الوظيفي.
كذلك، تؤكد الممارسات القيادية الحديثة أن المدير الذي يشجع فريقه على أخذ الإجازات يرسل رسالة واضحة مفادها أن الراحة جزء مشروع من دورة العمل. وليست علامة على ضعف الحماس أو انخفاض المسؤولية.
ولهذا، فإن الإدارة الجيدة لا تقتصر على متابعة النتائج، وإنما تشمل أيضًا توفير الظروف التي تساعد الموظفين على تحقيق تلك النتائج بصورة مستدامة.
المدير القدوة يبدأ بنفسه
ولا يقتصر دور المدير على السماح للموظفين بالحصول على إجازاتهم، بل يبدأ من ممارسته الشخصية. فالقائد الذي يرفض التوقف عن العمل أو يظل متاحًا باستمرار قد يبعث رسالة غير مباشرة إلى فريقه بأن الحصول على الراحة غير مقبول. حتى إذا كانت سياسات المؤسسة تسمح بها.
وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أهمية أن يشجع المديرون الموظفين على استخدام الإجازات، وأن يأخذ القادة إجازاتهم هم أيضًا. لأن سلوك المدير يؤثر في الطريقة التي ينظر بها الموظفون إلى الراحة.
كما أظهرت الأبحاث التي تستعرضها الجمعية أن إرسال القادة رسائل العمل خارج ساعات العمل قد يدفع الموظفين إلى اتباع السلوك نفسه، بما قد يؤثر في رفاههم.
وبالتالي، فإن القيادة بالقدوة لا تعني فقط إظهار الالتزام بالمواعيد والأهداف. وإنما تشمل أيضًا احترام الحدود بين وقت العمل ووقت الراحة.
وعندما يلتزم المدير بهذه الحدود، يصبح من الأسهل على الموظفين الاستفادة من حقوقهم دون الشعور بأن ذلك قد يؤثر في صورتهم المهنية أو مستوى التزامهم.
الاهتمام بالموظف يدعم الأداء المستدام
ويرى خبراء القيادة أن الاهتمام برفاه الموظفين لا يتعارض مع السعي إلى تحقيق نتائج مرتفعة. بل يمكن دمج الأمرين ضمن مفهوم واحد للأداء المستدام.
وفي صدد ذلك، يشير ديفيد تيت إلى أن القادة يستطيعون الحفاظ على معايير الأداء والمساءلة. بالتوازي مع توفير بيئة تدعم رفاه الموظفين.
كما تشمل الممارسات الفعالة تنظيم أعباء العمل، ومنح الموظفين قدرًا مناسبًا من المرونة، وتعزيز الأمان النفسي. وربط أهداف العمل بممارسات تساعد على الحفاظ على التوازن والطاقة.
وتؤكد الأدلة التي يستعرضها خبراء القيادة أن بيئات العمل الداعمة يمكن أن ترتبط بارتفاع الاندماج وانخفاض معدلات ترك الموظفين للعمل وتحسن الابتكار والأداء.
ولذلك، فإن المدير الحقيقي لا يكتفي بتعليم فريقه كيفية إنجاز المهام، بل يعمل أيضًا على تطوير قدرته على الاستمرار والنمو.
وتشمل هذه المسؤولية فهم تأثير ضغط العمل، وتشجيع الراحة، وتوزيع المهام بطريقة مناسبة، وتوفير الدعم عند الحاجة. مع الحفاظ في الوقت نفسه على وضوح الأهداف والمساءلة.
القيادة تتجاوز قياس النتائج
وتكشف الرؤية الحديثة للقيادة أن النجاح الإداري لا يمكن اختزاله في مؤشرات الإنتاجية وحدها. لأن النتائج قصيرة الأجل قد لا تعكس قدرة الفريق على الاستمرار. ومن هنا، يصبح الحفاظ على طاقة الموظفين وصحتهم النفسية جزءًا من الإدارة المسؤولة، وليس نشاطًا منفصلًا عن العمل.
كما أن بناء ثقافة تشجع على الإجازات والراحة يساعد على تقليل الضغوط المرتبطة بفكرة ضرورة البقاء متاحًا طوال الوقت.
وفي هذا الجانب، تشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن خلق ثقافة يشعر فيها الموظفون بأن بإمكانهم الحصول على الإجازة دون الخوف من الانتقاد يساعد على التعافي النفسي. وهو ما قد ينعكس لاحقًا على الأداء.
في المحصلة، يؤكد خبراء القيادة أن المدير الذي يهتم بالإنسان لا يتخلى عن النتائج، وإنما يعيد تعريف الطريق إليها. فالإدارة الفعالة تجمع بين وضوح الأهداف، وحسن توزيع المسؤوليات، واحترام وقت الراحة، وتشجيع الموظفين على التطور. بما يتيح بناء فرق أكثر قدرة على الاستمرار وتحقيق أداء قوي على المدى الطويل.


