تواجه منطقتنا العربية تحديات وتهديدات غير مسبوقة؛ ما يستدعي إلى الأذهان قول النبي صلى الله عليه وسلم: “يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْل”. هذا الحديث يجسد واقعًا نعيشه اليوم، حيث تتكاثر التحديات الداخلية متأثرة بالتهديدات الخارجية؛ ما يتطلب منا وقفة جادة لإعادة تقييم أوضاعنا واستشراف المستقبل.
غثاء السيل: الكَم مقابل الكَيْف
غثاء السيل هو كثرة الزبَد والفقاقيع فوق الماء، كناية عن كثرة العدد دون نفع أو فائدة؛ فالعبرة بالكَيْف وليس بالكَم؛ العبرة بجودة العمل والتأثير، خاصة بأعمار تنقضي في حياة الأفراد والشعوب، يخطط لها البعض ويجنى ثمرة تخطيطه، أو يهملها البعض الآخر، ثم يندم على ذلك.
الأمم لا تنهض بالأعداد الهائلة غير المُستغلة، بل بالكفاءات والقدرات التي تساهم في بناء المستقبل؛ وهو ما يتطلب استثمارًا حقيقيًا في الشباب، الذين يمثلون الطاقة الكامنة لكل دولة.
ذكريات من مؤتمر ريادة الأعمال
في مؤتمر دولي لريادة الأعمال قبل عشرين عامًا، شاركت كمتحدث في جلسة تمحورت حول علاقة الأسواق العالمية بالسياسات الوطنية لريادة الأعمال؛ حيث جلس عن يساري البروفيسور زولتان الأستاذ بجامعة جورج ماسون الأمريكية، وعن يميني البروفيسور فرانسوا من فرنسا، وترأسها البريطاني أوليفر.
أثار زولتان قضية تشغل بالهم في الولايات المتحدة بالمستقبل وتحديدا في العام 2040 وبدأوا التخطيط لمواجهتها منذ ذلك الحين؛ حيث تتمثل القضية في أنه وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، يمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 عامًا حوالي 14 % من إجمالي السكان، بينما تشير التقديرات إلى أن نسبة الشباب تتراوح بين 15 % و 17 % في معظم الدول الأوروبية. تذكرت ذلك في الوقت الذي تبلغ فيه الآن نسبة الشباب في السعودية 47 %، وفي مصر 34 %.
معضلة الشيخوخة وحلولها
يرى الغرب أنهم في العام 2040 سيتحولون إلى أمة من العجائز في ظل انخفاض أعداد المواليد وتطور أنظمة الرعاية الصحية، والتي أدت إلى زيادة معدل أعمار المواطنين. ولكن ما الحل لهذه المعضلة من وجهة نظرهم؟!. الحل الذي اختاروه ببساطة هو ريادة الأعمال؛ بمعنى تيسير استقدام رواد أعمال شباب من أمتنا (الفَتِيَّة) لإنقاذ أمتهم (الهَرِمَة).
دور الشباب في إعمار الأرض
هنا تولدت لديّ خاطرتان: الأولى هي أن رائد الأعمال هو من يُعمِّر الأرض ويُحدث التغيير الإيجابي في المجتمع، فالشباب، إذا حَسُنَ إعدادهم وتوجيههم والاستفادة منهم، نهضوا بأوطانهم، خاصةً أنَّ الله حبانا بموارد عظيمة؛ أهمها المورد البشري، لاسيما رواد الأعمال.
أهمية التخطيط الاستراتيجي
الخاطرة الثانية هي التخطيط؛ فعجبًا لأمة ليس لديها رؤية أو خطط بعيدة الأمد لعشرات الأعوا؛ فالرؤية بدون عمل هي حُلم يقظة، والعمل بدون رؤية هو الكابوس بعينِه. لذلك ندعو لصناع القرار في بلداننا العربية بأن يسلحهم الله بالرؤية الثاقبة والبصيرة النافذة ليتغلبوا على التحديات والتهديدات التي تواجهها.
توصيات لصناع القرار
أدعو صناع القرار في الدول العربية إلى ما يلي:
• الاستثمار في التعليم والتدريب: تطوير نظم التعليم والتدريب لتأهيل الشباب وتزويدهم بكل من المهارات القاسية والناعمة اللازمتين لسوق العمل.
• دعم ريادة الأعمال: توفير البيئة الداعمة لرواد الأعمال؛ بتسهيل الإجراءات وتوفير التمويل والتدريب، وتمكينهم من الحصول على جزء يسير من الكعكة الاستثمارية التي تتمتع بها بلدانهم.
• وضع رؤى استراتيجية: تطوير خطط استراتيجية طويلة المدى لمواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.
• تعزيز المشاركة الشبابية: إشراك الشباب في صنع القرار والمناصب القيادية، وتفعيل دورهم في المجتمع.
• الاستفادة من الطاقات الشبابية: يجب على الدول العربية الاستفادة القصوى من الطاقات الشبابية الموجودة، وتوجيهها نحو تحقيق التنمية والازدهار.
إن مواجهة التحديات تتطلب تضافر الجهود وتوحيد الرؤى بين الأشقاء في الدول العربية؛ فالشباب هم الأمل والمستقبل، وبهم ستصعد أمتنا للمكانة التي تستحقها في أعلى سُلم الأمم المتقدمة.


