تتجه المهن الحرفية في الولايات المتحدة إلى تسجيل نمو مستمر في الوظائف خلال العقد المقبل، مع توقعات بفتح نحو 1.7 مليون فرصة عمل سنويًا حتى عام 2035، وفقًا لتقرير جديد.
وخلص تقرير «حالة المهن الحرفية في أمريكا»، الصادر مؤخرًا، إلى أن أكثر من 600 ألف وظيفة جديدة صافية في هذه المهن ستُستحدث بحلول نهاية عام 2035. وأعد التقرير كل من «جوبز فور ذا فيوتشر» و«معهد بيرنينغ غلاس»، وهما مؤسستان غير ربحيتين تركزان على توسيع الفرص الاقتصادية أمام الأمريكيين.
وتشمل المهن التي تواجه طلبًا مرتفعًا ويجد القطاع صعوبة في شغلها، الكهربائيين والسباكين وعمال الصيانة والنجارين، إلى جانب عشرات المسارات المهنية الأخرى.
مشاريع البنية التحتية
يمثل الطلب على البنية التحتية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة أحد المحركات الرئيسة لخلق وظائف جديدة في المهن الحرفية.
وقال مات سيغلمان، رئيس «معهد بيرنينغ غلاس»، لـ«سي إن بي سي ميك إت» إن «مشروعات البنية التحتية الكبرى، مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي»، إلى جانب المناطق الأمريكية التي تشهد نموًا سكانيًا، تدفع الطلب على العمالة.
وتحتاج هذه المناطق إلى مشروعات سكنية جديدة، وتوسعات تجارية، وتطوير شبكات الكهرباء، ما يعزز فرص العمل في المهن الحرفية.
ويأتي ذلك في الوقت الذي ارتفع فيه معدل البطالة الإجمالي في الولايات المتحدة إلى 4.2% خلال سبتمبر 2026، بينما جاءت الزيادة في الوظائف غير الزراعية دون التوقعات، وفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
فجوة التقاعد
لكن عدد الوظائف الجديدة لا يعكس كامل حجم الطلب على العمالة، إذ يتعين على القطاع أيضًا تعويض أعداد كبيرة من العمال الذين يقتربون من التقاعد، بحسب سيغلمان.
ويبلغ عمر نحو ربع العاملين في المهن الحرفية، ضمن 124 مسارًا وظيفيًا شملها التقرير، 55 عامًا أو أكثر، بينما لا تتجاوز حصة العاملين الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا 11% من إجمالي قوة العمل في هذه المهن.
وفي سوق العمل الأوسع، تراجع معدل مشاركة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 55 عامًا أو أكثر في قوة العمل منذ عام 2024.
وقال سيغلمان إن «واحدة من كل 12 وظيفة في المهن الحرفية تحتاج إلى شغلها مجددًا خلال السنوات الخمس المقبلة»، مشبهًا محاولة القطاع سد هذه الفجوة بـ«الجري في المكان»، إذ يحاول في الوقت نفسه شغل الوظائف الجديدة وتعويض العمال المتقاعدين.
وصمة اجتماعية
ورغم وفرة الفرص، لا تزال المهن الحرفية تواجه نظرة اجتماعية سلبية نسبيًا.
وأظهرت دراسة أجراها معهد أبحاث «مجلس الإعلانات» ونُشرت يوم الأربعاء، أن 33% فقط من الطلاب قالوا إنهم سيشعرون باحترام الآخرين لهم إذا عملوا في المهن الحرفية، مقارنة بـ50% ممن قالوا إنهم سيحظون بالاحترام نفسه إذا عملوا في قطاع الرعاية الصحية.
وشملت الدراسة استطلاعًا عبر الإنترنت لـ3009 طلاب في المرحلة الثانوية و2501 من آباء طلاب المرحلة الثانوية، خلال الفترة من يونيو إلى يوليو 2026. وبلغ هامش الخطأ في نتائج الطلاب ±1.8%، مقابل ±2% في نتائج الآباء.
ورغم ما وصفته الدراسة بأنه «احترام متوسط» للمهن الحرفية بين المراهقين، أظهرت البيانات أن 9% فقط منهم يفكرون في هذه المهن كمسار وظيفي بعد التخرج، بينما ظل التعليم الجامعي المسار الأكثر شعبية، إذ يفكر 56% من المراهقين في الالتحاق بالتعليم العالي.
في المقابل، قال 71% من المراهقين إنهم سيشعرون بالفخر للالتحاق بمدرسة مهنية، بينما قال 81% من الآباء إنهم سيفخرون إذا اختار أبناؤهم مسارًا مهنيًا في المهن الحرفية.
تفاوت كبير في الأجور
ويرى سيغلمان أن الحديث عن المهن الحرفية باعتبارها فئة واحدة يخفي وجود 124 مسارًا وظيفيًا مختلفًا داخل القطاع.
وبحسب أحدث البيانات المتاحة من نظام الاستعلام عن العمالة والأجور المهنية التابع لمكتب إحصاءات العمل الأمريكي، تقل أجور بعض المهن الحرفية عن متوسط راتب البداية لخريجي الجامعات حديثًا، البالغ 56,153 دولارًا، لكن العديد من المهن الأخرى تتجاوز هذا المتوسط.
وعلى الجانب الأعلى من سلم الأجور، يبلغ متوسط الأجر السنوي لوظائف تركيب وإصلاح المصاعد والسلالم المتحركة 109,910 دولارات، بينما يتجاوز متوسط الأجر السنوي لمشغلي مفاعلات الطاقة النووية 122,890 دولارًا.
وقال سيغلمان إن نتائج دراسة «مجلس الإعلانات» تشير إلى أن الناس «يتعرفون بصورة متزايدة على المهن الحرفية ويحترمونها، لكن يبدو أن هناك فجوة في معرفة المسار»، مضيفًا أن الناس لا يرون أبناءهم أو أنفسهم في هذه المهن.
تسرب من المسارات
حتى عندما يختار الشباب دخول المهن الحرفية، يواجه القطاع معدلات منخفضة لتحويل المشاركين في برامج التعليم بعد المرحلة الثانوية أو برامج التدريب المهني المسجلة إلى عمال مستمرين في القطاع.
ووفقًا لتقرير «حالة المهن الحرفية»، يكمل أقل قليلًا من نصف الأشخاص الذين يبدأون مسيرتهم المهنية عبر أحد هذين المسارين برامجهم التدريبية.
وبعد مرور خمس سنوات على إكمال برنامج التدريب المهني أو التعليم بعد المرحلة الثانوية، تنخفض نسبة من يواصلون العمل في المهن الحرفية إلى 29% و34% على التوالي.
تحديات الاحتفاظ
ووجد التقرير أن معدلات ترك العمل غالبًا ما تعكس تحديات هيكلية أكبر، بعضها مرتبط بطبيعة العمل في المهن الحرفية نفسها.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن تؤدي التأخيرات وظروف الطقس السيئة إلى تعطيل ساعات العمل التي يحتاج المتدربون في مجال النجارة إلى إكمالها، ما يدفع بعضهم إلى ترك البرنامج.
ويواجه الراغبون في العمل بالسباكة، على سبيل المثال، مجموعة من متطلبات الحصول على التراخيص التي قد تختلف داخل الولاية الواحدة، وهو ما يجعل العمل عبر حدود الولايات، وحتى المقاطعات، أكثر صعوبة.
وقال سيغلمان: «إنها أنبوب يتسرب منه الكثير، وعلينا أن نكتشف كيف يمكننا الاحتفاظ بشكل أفضل بالأشخاص الذين يدخلون هذا المجال، حتى قبل أن نحاول زيادة الاهتمام به».
المصدر: CNBC


