أصبحت الإدارة علمًا منظمًا، له أصوله وقواعده لتحقيق الغرض منها؛ كوسيلة لتنظيم جهود الجماعة وتوجيهها نحو تحقيق أهدافها في الحياة العملية؛ لذا يُفترض أن تحدد الإدارة أولًا طبيعة المهام المطلوب إنجازها وتقدير حجمها، وخلق آليات التآلف بين الوظائف التي يؤديها الإداريون، وخلق التكامل بين مختلف المهام التي يؤديها العاملون في إطار تخصصاتهم، كلٌ في نطاق تنفيذ مسؤولياته.
ويميز كثيرون بين المدير الإداري والمدير القيادي، على أساس أن الحديث عن الإدارة القيادية في أي مؤسسة يعني البحث عن موقع المنشأة وحجم التجهيزات المتوفرة والمرافق الملحقة، وكذلك المستوى العلمي والتأهيلي والتدريبي للكوادر، وروحهم المعنوية وحالتهم النفسية، إضافةً إلى ثبات تشريعات العمل، ووضوح التعليمات التي تضبط العمل وتحدد علاقات وتفاعلات العاملين. والعمليات في نظام المؤسسة هي البعد الذي تدور حوله تفاعلاته وترتبط به، ومنه تبرز خصوصية قائد العمل؛ كون مستوى التفاعل في كل مرحلة ودرجة ارتباطة بتفاعل آخر في نفس المؤسسة، يحركه القائد الإداري الذي يحدد ارتباط هذا التفاعل بين أجنحة العمل وأجزائه؛ ليحدد طريقته في العمل.

وقد يبدو للبعض أن المدير هو القائد؛ كونه يسعى بإدارته، والقائد يسعى بقيادته إلى تحقيق الأهداف المحددة والمرسومة له سلفًا.
والقائد هو مدير بالأساس، ولكن ليس كل مدير قائدًا، فالإدارة هي عملية تحديد الأهداف ووضع السياسات العامة، أما القيادة فهي عملية الإشراف على تنفيذ السياسات الموضوعة وتحقيق الأهداف؛ لذلك يعتمد المدير في عمله على العلم وتخطيط الإجراءات التي يسير عليها العاملون.
وبين المدير الإداري والمدير القائد، يبرز مفهوم الإدارة العلمية المتطورة؛ كأحد أهم وسائل النجاح في العمل؛ إذ للدور الإداري عمليات ووظائف تعد الأساس للقيام بهذا الدور، بدءًا من مرحلة التحضير الجيد والاتصال الواسع والتوظيف الموفق بين المؤهلات والمهام، ومراحل التدريب المدروس، واتخاذ القرارت، وطرق التمويل.
ويفترض أن يكون الإداري- المُطالب بدور تنظيم العمل وترتيب المهام- مرتبًا في ذاته أولًا، وأن يسلك طرقًا علمية لتخطيط العمل وتنظيمه وتنفيذه ثانيًا.
نقاط التخطيط هي معالم الطريق المرسوم مسبقًا للمسؤولين عند اتخاذ قراراتهم، ويشمل التخطيط اليومي لجدول الأعمال ، والتخطيط لاجتماع قادم، والتخطيط للبرامج التدريبية، والتخطيط لإعداد التقارير
الدورية، والتخطيط لاحتياجات المؤسسة من القوى العاملة، والتخطيط لجداول العطل والإجازات.
وعلى ذلك، يسهل على المسؤولين تنظيم أنشطة العمل المطلوبة، وتقسيم العمل وتوزيعه، وتحديد العمالة المسؤولة، وتقييم الإمكانيات والموارد الضرورية وحشدها في إطار علاقات توضح وتحدد حجم الأنشطة المطلوبة والعلاقات الإدارية بين الأفراد من حيث تدرج السلطة والمسؤولية لتحقيق الأهداف.

لا غني للإدارة العلمية عن المدير الذي تُبنى إدارته على سلطاته، والذي تنبع قيادته للمؤسسة مما يتمتع به من صفات قيادية وقوة شخصيته التي تدفع مرؤوسيه على تنفيذ قرارته باقتنناع، واتباعهم للتعليمات والتوجيهات بدون استخدام قوة السلطة أو التهديد باستخدامها.
ومن هنا، تتضح ضرورة وجود علاقة تكامل بين القيادة والإدارة؛ بإجادة توجيه العنصر الإنساني في مركزه الإداري؛ من خلال تحديد معايير الكفاءة لدى المسؤول، والتقدير الجيد لحجم الحوافز المادية والمعنوية المطلوبة لخلق الدافع وحب مكان العمل، وتنمية الرغب، القدرة على العمل، والاتصال الفعال بين مستويات الإدارة بأسلوب ديمقراطي بعيد عن التسلط؛ عبر إشراك المرؤوسين في صياغة وصنع القرارت.
ومن الطبيعي أن يحسن المسؤول تقدير حجم العمل الذي يقوم به مرؤوسيه، والوقت المتاح أمامهم، مع تحسين هامش الخطأ المحتمل وقوعه في العمل.
تفترض الإدارة العلمية الصحيحة وجود الدوافع المعززة بالحوافز، والاعتراف مسبقًا بوقوع مفارقات بين الرغبة في العمل والقدرة عليه، فإلى جانب القدرة لابد من توفر الرغبة في العمل، مع مراعاة مبدأ وحدة مصدر الأوامر والالتزام به، ومعرفة مفهوم حدود السلطة الوظيفية التي لا تتعلق بشخص الموظف، ولكن بوظيفته المحددة لسلطاته فلا يتجاوزها، ولحقوقه المالية والعلاوات والإجازات.
يحتاج نجاح الإدارة العلمية إلى التأمل في جدلية إن كانت القيادة المبدعة يصنعها قائد إداري متميز ومبدع، أو أن الإبداع الكبير الخارق للقيادة في المؤسسة قد احتاج إلى أكثر من مبدع؟
البديهي في الأمر، أن الانتقال من العمل الإداري من مستوى الإدارة الفاعلة إلى مستوى القيادة المبدعة، يحتاج إلى عمل تشاركي يجمع من خلاله القائد جميع الخيوط في يديه؛ لينقل العمل ككل، والعمل كأجزاء بحسب حاجته ودرجة التوجيه والتعزيز المطلوبة؛ ليحقق الإبداع والتميز الذي يصنعه لفريق العمل المتعاون والملتزم بالمصداقية والتوثب والاندفاع الذي هو في حد ذاته إبداع أيضًا من صنع الإداري القائد.
اقرأ أيضًا:
الإبداع في المهام الإدارية.. ميسّرات العملية الإبداعية
صفات المساعد الإداري.. الموظف العابر للتخصصات
الترقية في المناصب الإدارية.. احجز مقعدك من الآن
سعد المالكي: رؤية الشركة يمكن أن تصبح مصدر إلهام وتحفيز للعاملين بها


