يتساءل العديد من أصحاب الشركات والموظفين عن مدى تأثير التغيير التنظيمي في المؤسسات لتكون أكثر نجاحًا وفعالية للبئة والمجتمع.
وقد قضت جوليا ديبينيو؛ الباحثة في علم الإثنوغرافيا، سنوات في دراسة وملاحظة سلوك القوى البشرية داخل المؤسسات. ومدى تأثيرها في مسار نجاح المؤسسة. في محاولة منها لإعطاء استنتاج علمى عن التساؤلات حول دور التغيير التنظيمي في تطوير المؤسسات للأفضل؟

التغيير التنظيمي وتطوير المؤسسات
أجرت “جوليا” دراسات بحثية عديدة حول كيفية تمكين الأشخاص الذين لديهم الخبرة والمعرفة، ولكن ليس لديهم سلطة رسمية أو سلطة منصبية، من سماع أفكارهم والعمل على تحسين كيفية عمل منظماتهم. فضلًا عن كيفية تعاون الأشخاص بفعالية عبر الحدود المهنية. وذلك من خلال الربط بين الأقسام والأدوار والأولويات والخلفيات وطرق رؤية العالم المختلفة لتحقيق الأهداف التنظيمية المشتركة.
وتقول الباحثة جوليا ديبينيو ” أنا أنجذب إلى مشاكل العالم الحقيقي المعقدة. وفي الأيام الأولى لجائحة كوفيد-19. أنشأتُ مشروعًا مع أحد المستشفيات لفهم العملية التي سمحت بتنفيذ التغييرات التي اقترحها العاملون في الخطوط الأمامية، والتي حسّنت من الاستجابة للجائحة والعمليات بشكل عام. أنا بصدد الانتهاء من بحث في السبل التي يمكن للنساء العاملات في المجالات التي يهيمن عليها الذكور أن يكنّ حليفات لنساء أخريات”.
وأوضحت “الإثنوغرافيا هو طريقة منهجية ودقيقة لتوثيق حياة الناس في العمل؛ من أجل إيجاد طرق استقرائية لمعالجة التحديات التي تواجهها المؤسسات والموظفون”.
وأضافت: “يجب أن أجد منظمات لديها الشجاعة والفضول الكافي لفتح أبوابها لباحثة خارجية. قد يستغرق العمل الميداني سنوات حتى يكتمل، وأحتاج إلى وصول مستمر لجميع مستويات المنظمة. في المقابل تحصل المنظمات على رأي موضوعي من طرف ثالث حول الأمور التي تعاني منها، وفرصة للكشف عن الأسباب الجذرية والحلول المحتملة”.
قد يبدو كل شيء منطقي ومنظم عند قراءة التغيير التنظيمي للمؤسسات في الكتب النظرية، ولكن على أرض الواقع توجد عوامل حيوية تغيّر مسار المؤسسات. مثل ثقافات فرعية وسياسات وتسلسلات هرمية. حيث إن التنقل في كل ذلك ليس منظمًا أو عقلانيًا تمامًا.
لذلك تعد الإثنوغرافيا وسيلة مهمة حقًا لإبقاء نظرياتنا حول المنظمات على أرض الواقع. أما بالنسبة للباحث فإن الإثنوغرافيا التنظيمية تفرض التواضع وتعلم الإلهام عبر الاستمرار في عرض أفكار جديدة والتفكير بعمق في الألغاز والتحديات التي يواجهها الناس في المؤسسات وكيفية إحراز تقدم بشأنها.
دراسة حالة حول تطبيق الإثنوغرافيا
على سبيل المثال: أجرت جوليا ديبينيو دراسة حول تقديم الرعاية الصحية النفسية للجنود في الجيش الأمريكي كجزء من فريق متعدد التخصصات. وذلك بسبب تقديم بلاغات عن ارتفاع معدل الانتحار بين الجنود والمحاربين القدامى على نطاق واسع.
ومن ثم تولت الباحثة مراقبة ومقابلة مجموعة واسعة من الخدمات لتكوين صورة عن جميع الخطوات التي يتم اتباعها لتحسين رعاية الصحة النفسية للجنود مثل: الصحة النفسية للمرضى الخارجيين، والصحة النفسية للمرضى الداخليين، والتدريب على المرونة، ودعم تعاطي المخدرات.. وما إلى ذلك.
بالتالي استنتجت جوليا ديبينيو أن أحد أهم الأشياء التي تهم الجنود لكي يتحسنوا هو أن يسمح لهم قادة سراياهم بترك العمل للذهاب إلى مواعيدهم الخاصة بالصحة النفسية، واتباع التوصيات التي يقدمها مقدم خدمات الصحة النفسية.
وفحصت جوليا ثلاثة هياكل مختلفة. في إحداها كان مقدمو خدمات الصحة النفسية مدمجين مع لواء. وفي هيكل آخر عمل مجموعة من مقدمي الخدمات مع جنود من كل سرية داخل اللواء. وأخيرًا في هيكل ثالث تم تعيين مقدمي خدمات الصحة النفسية للعمل مع قادة وجنود كتائب محددة داخل اللواء.
كان هذا هو الهيكل التنظيمي الذي نجح بشكل أفضل. حيث عزز بشكل أكثر فعالية العلاقات التعاونية بين مقدمي خدمات الصحة النفسية والقادة.
وأدى الهيكل المدمج إلى استقطاب مقدمي الخدمات. لم يدعم النظام التجميعي التعاون بين مقدمي الخدمات والقادة؛ حيث تمسكت كلتا المجموعتين بصور نمطية سلبية عن الأخرى. وفي الهيكلية التي كانت تضم القادة ومقدمي خدمات الصحة النفسية المكلفين بالعمل معًا، تعرفوا على بعضهم البعض.
إن التغيير التنظيمي للشركات مجال واسع جدًا. لذلك يتبع بعض الباحثين نهجًا نفسيًا يهدف إلى فهم الأفراد: كيف يتخذون القرارات الأخلاقية؟ على سبيل المثال. وغالبًا ما يستخدمون أساليب تجريبية.
أما الجانب الكلي للسلوك التنظيمي فهو متجذر في علم الاجتماع. قد يبحث هؤلاء الباحثون في المجالات التنظيمية أو الصناعات التنظيمية ويقارنون كيفية تطورها بمرور الوقت. وعادةً ما يستخدمون الأساليب الكمية لتحليل مجموعات البيانات الكبيرة.
تحديات التغيير التنظيمي للمؤسسات
يتمثل أحد التحديات الأساسية التي تواجه القادة في توفير أهداف مشتركة يعمل الجميع على تحقيقها في جميع أنحاء المنظمة. وهذا أمر صعب لأن المنظمة ليست كيانًا واحدًا، بل مجموعة من الثقافات الفرعية للإدارات، وتتشكل العديد من هذه الثقافات حول المهن التي قد تعطي الأولوية لأهداف مختلفة.
وليس من المعتاد أن يقضي الشخص حياته المهنية بأكملها داخل منظمة واحدة في الوقت الحاضر. فعندما ينتقل الأشخاص من مؤسسة إلى أخرى غالبًا ما تكون مهنتهم هي التي ترسخ هويتهم وولاءهم. وسواء كانوا متخصصين في الموارد البشرية، أو محاسبين، أو علماء، أو مهندسين؛ أو عاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات فغالبًا ما يكون الناس ملتزمين بمهنة ما ومدربين عليها.
كما أنه لا يكفي مجرد الإشارة إلى الأهداف الأكبر للمؤسسة. لكن من الضروري إنشاء هياكل وأدوار تساعد في تطوير الروابط الإيجابية وبناء الجسور بين الأقسام المهنية المختلفة. فبدلًا من الاكتفاء بأن يتحدث قسم التسويق مع قسم البحث والتطوير، لا بد أن يتم تعيين شخص من قسم التسويق للعمل مع مجموعات محددة من قسم البحث والتطوير؛ بحيث يتعرف هذا الشخص، الذي يؤدي دور حلقة الوصل، على عمل فريق البحث والتطوير.
يذكر أن الإثنوغرافيا من تلك التخصصات التي يمكن أن تغيرك للأفضل بسبب اضطرارك المستمر لوضع نفسك في مواقف جديدة وغير مريحة في كثير من الأحيان والتحدث إلى أشخاص مختلفين تمامًا عنك. أنا أتفاجأ وأتعلم باستمرار. وأنا ممتنة جدًا لأدائي هذا العمل.
لذا من المهم تدريب الجيل القادم من الباحثين على كيفية إجراء دراسات إثنوغرافية تنظيمية صارمة. ومن الضروري نقل هذا النوع من المعرفة حول تلك الطريقة القيّمة؛ نظرًا للرؤى الفريدة التي يمكن أن توفرها.
بقلم: Julia DiBenigno
المقال الأصلي: (من هنـا)


