المناصب لا تُبنى بالرغبة فيها، بل بالتجربة، وبالمواقف، وبالأخطاء التي نتعلم منها، وبسنوات من العمل قد لا تكون كلها ممتعة أو مثالية.
في كل سنة أرى نفس المشهد تقريبًا. طالب يتخرج وهو متحمس، عنده طموح كبير وتوقعات أكبر، ويتخيل أن الخطوة الطبيعية بعد تخرجه وظيفة ممتازة براتب عالي ومسمى وظيفي يستحق سنوات الدراسة والتعب. ثم يتفاجأ أن الواقع مختلف.
بعض الخريجين يدخل سوق العمل وهو يبحث عن المنصب قبل الخبرة، ويرفض فرصًا كثيرة لأنها لا تشبه الصورة التي رسمها لنفسه. هذه الوظيفة أقل من مؤهلي، هذا الراتب لا يناسبني، التدريب لا يستحق، والعمل التطوعي لن يفيدني.
ومع الوقت تمر الشهور، وأحيانًا السنوات، وهو ما زال ينتظر الفرصة المناسبة.
أنا لا ألوم الخريج على طموحه، بالعكس، لكن أعتقد أننا بحاجة أن نكون أكثر واقعية في فهم السنوات الأولى بعد التخرج. أنت في هذه المرحلة لا تملك إلا جزءًا من أدواتك. الجامعة أعطتك المعرفة، لكن العمل هو الذي سيعلمك كيف تستخدمها.
قد تبدأ في وظيفة بسيطة، أو تدريب قصير، أو مشروع مؤقت، وقد تعمل في مجال ليس هو خيارك الأول. لا بأس. ليس كل ما نبدأ به يجب أن نستمر فيه، وليس من الضروري أن تكون أول وظيفة هي وظيفة العمر.
المهم ألا تبقى في وضعية الانتظار
اشتغل في المتاح، جرب، تطوع، ادخل في مشاريع، تعرف على الناس، واكتشف كيف تعمل المؤسسات فعلًا. ستتفاجأ بكم الأشياء التي لم تتعلمها في الجامعة. كيف تتعامل مع مديرك، كيف تكتب إيميلًا واضحًا، كيف تدير وقتك، كيف تتصرف عندما تخطئ، وكيف تعمل مع فريق فيه شخصيات مختلفة تمامًا عنك.
هذه التفاصيل تبدو بسيطة، لكنها مع الوقت هي التي تصنع الخبرة وتطور المهارة.
أحيانًا وظيفة لا تحبها تعلمك ما الذي تريده فعلًا. وأحيانًا مدير سيئ يعلمك كيف تتعامل مع الناس مستقبلًا. وقد تدخل عملًا تطوعيًا فقط لتملأ وقتك، ثم تقابل شخصًا أو تتعلم مهارة تغير مسارك بالكامل.
لذلك أستغرب قليلًا من خريج يريد أن يصبح مديرًا بسرعة، وهو لم يجرب بعد أن يكون موظفًا. يريد قيادة فريق، لكنه لم يتعلم كيف يكون عضوًا جيدًا في فريق. يريد صلاحية اتخاذ القرار، لكنه لم يتحمل بعد نتيجة قرار مهني واحد.
وطبعًا هذا لا يعني أن يقبل الخريج بالاستغلال أو يبقى في مكان لا يقدره. لكن هناك فرق بين أن تعرف قيمتك، وبين أن تتوقع من سوق العمل أن يعاملك كخبير وأنت ما زلت في بداية الطريق.
بعد التخرج، لا تنشغل كثيرًا بشكل البداية.
ابدأ فقط
خذ الفرصة التي ستعلمك، حتى لو لم يكن مسماها باهرًا. جرب العمل الذي سيضيف لك مهارة، حتى لو لم يكن حلمك. تطوع إذا كان هناك شيء حقيقي ستتعلمه. وغيّر طريقك إذا اكتشفت أنك في المكان الخطأ.
أول سنوات العمل ليست لإثبات أنك وصلت.
هي السنوات التي تكتشف فيها ما الذي تريده فعلًا، وما الذي تحتاج أن تتطوره في نفسك لتصل إليه.


