تتجه أنظار الأسواق العالمية نحو اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وسط ترقب حذر لقرار أسعار الفائدة، وما يفضي إليه من تداعيات مباشرة على أداء الأسهم والسندات ومعدلات التضخم.
في حين يرجح مراقبون أن أسلوب رئيس المجلس، كيفن وارش، في توجيه الرسائل ومسار السياسة النقدية المستقبلي سيكون المحرك الأبرز لحركة الأسواق.
وبحسب ما أوردته وكالة «رويترز»، ينتظر المستثمرون صدور القرار اليوم الأربعاء المقبل في ظل صعود التوقعات بتحريك الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس مدفوعة ببيانات التضخم الأخيرة.
ويأتي هذا الترقب بالتزامن مع تجاوز عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات حاجز 5%. وسط متابعة دقيقة لتأثيرات قفزات أسعار الطاقة في معدلات الأسعار.
ويرى قسم التداول في بنك «جيه بي مورجان» أن استجابة الأسواق لن تتوقف عند حدود نسبة التعديل. بل تعتمد على الإشارات الصادرة عن وارش.
بينما وضع البنك خمسة سيناريوهات حتمية لحركة الأسواق مع تحديد التأثيرات المحتملة لكل منها في مؤشر «إس آند بي 500».
عدم رفع أسعار الفائدة
يتمثل السيناريو الأول في اتخاذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي قرارًا بإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير. وهو مسار يرجح تحليل قسم التداول في بنك «جيه بي مورجان» أن يؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية على عوائد السندات طويلة الأجل. بالتوازي مع اتساع توقعات التضخم في الأسواق.
وبناءً على ذلك، قد يواجه مؤشر «إس آند بي 500» موجة بيعية تتراوح نسبتها بين 1.25% و1.75%.
ويعتبر البنك هذا الخيار سلبيًا لأداء الأسهم، كون الإبقاء على الفائدة دون تعديل قد يفسر إشارةً إلى استمرار المخاوف بشأن السيطرة على الضغوط التضخمية.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال في ظل القفزات الأخيرة لعوائد السندات. إذ شهدت الأسواق المالية الأمريكية بالفعل ضغوطًا متصاعدة جراء ارتفاع العوائد وقفزات أسعار النفط عشية انعقاد اجتماع البنك المركزي.
رفع الفائدة دون توجيهات إضافية
يتناول السيناريو الثاني احتمال إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس دون تقديم توجيهات إضافية صريحة بشأن الخطوات المستقبلية.
وهو مسار يأتي متوافقًا بدرجة كبيرة مع الرؤية السائدة والتوقعات الأغلب بين المتعاملين في «وول ستريت».
وبحسب تقديرات «جيه بي مورجان»، قد يُسهم تحريك الفائدة بهذا القدر في كبح جماح الصعود المستمر لعوائد السندات طويلة الأجل. ما يمنح سوق الأسهم مساحة للتقاط الأنفاس والتحرك صعودًا.
ويُرجح البنك أن يدفع هذا السيناريو مؤشر «إس آند بي 500» للارتفاع بنسبة تتراوح بين 0.25% و0.75%.
وتبرز التوجيهات المصاحبة للقرار بوصفها المحرك الرئيس لتطلعات الأسواق. كون المستثمرين لا يكتفون بمتابعة المعدل الراهن للسياسة النقدية، بل يسعون للاستدلال على توجهات الفيدرالي في الاجتماعات المقبلة.
وهو ما تؤكده وكالة «رويترز» بشأن تركيز الأسواق المكثف على تصريحات كيفن وارش لرسم ملامح الفترة القادمة.
رفع الفائدة وتغيير توقعات التخفيضات
يتضمن السيناريو الثالث إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. بالتزامن مع إلغاء تخفيضات الفائدة التي كانت متوقعة لعام 2025.
فيما قد يحظى هذا الخيار بترحيب أكبر من جانب الأسواق إذا رافقته رسالة حازمة تؤكد استقرار السياسة النقدية. بدلًا من إبقاء الباب مفتوحًا أمام جولات إضافية من التشديد.
وفي هذا السياق، يعزز هذا الاحتمال مكاسبه إذا أشار كيفن وارش إلى إمكانية إعادة التفكير في خفض الفائدة لعام 2025. مع إعادة جدولة الزيادات المرتقبة لتكون في شهري أكتوبر وديسمبر بدلًا من ديسمبر ومارس. حيث تتعامل الأسواق المالية مع هذه الإشارات بوصفها تحولًا شفافًا ومحددًا في مسار السياسة النقدية المستقبلية.
ويرجح قسم التداول في بنك «جيه بي مورجان» أن يدفع هذا السيناريو مؤشر «إس آند بي 500» للارتفاع بنسبة تتراوح بين 0.50% و1%.
وذلك يؤكد حساسيات أداء الأسهم العالية تجاه وضوح التوجيهات المستقبلية والتوقعات المرتبطة بالقرارات التالية للبنك المركزي. دون الاقتصار على نسبة التغيير الفوري.
ارتفاع سعر الفائدة المحايد
يستعرض السيناريو الرابع إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بالتزامن مع رفع تقدير «سعر الفائدة الحقيقي المحايد». وهو المفهوم المعني بتحديد مستوى الفائدة الذي يوازن بين التوظيف الكامل واستقرار التضخم دون دفع الاقتصاد إلى التوسع المفرط أو الانكماش.
وفي هذا السياق، يرى محللون أنه في حالة صدور قرار الرفع دون توجيهات إرشادية واضحة حول هذا المؤشر. فقد يتجه المتداولون نحو إعادة تقييم النطاق المناسب للفائدة. مع احتمال اعتبار المستويات الحالية مفرطة في التساهل. الأمر الذي يفتح الباب أمام توقعات بزيادات قادمة تتجاوز نقطة مئوية كاملة.
وإن تصاعدت مخاوف المستثمرين بشأن لجوء البنك المركزي إلى رفع الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية دفعة واحدة في أحد اجتماعاته المقبلة، تواجه سوق الأسهم ضغوطًا هبوطية حادة.
ويتوقع قسم التداول في بنك «جيه بي مورجان» انخفاض مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة تتراوح بين 0.25% و1%.
تشديد السياسة النقدية
أما السيناريو الخامس والأخير، فيتضمن إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. بالتزامن مع توجيه كيفن وارش إشارات صريحة حول ضرورة رفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية «بشكل ملحوظ».
وهو الخيار الأشد صرامة كونه يربط القرار الحالي باستمرار دورة التشديد النقدي بدلًا من التعامل معه كخطوة استثنائية منفردة.
وفي حالة تبني الفيدرالي لهذه الرسالة المتشددة تتجه الأسواق المالية نحو إعادة تسعير سلسلة جديدة من زيادات الفائدة. الأمر الذي يعيد إلى الأذهان تجربة التشديد النقدي الحادة التي شهدها الاقتصاد الأمريكي خلال عامي 2022 و2023 بكل ما رافقها من ضغوط على القطاعات الاستثمارية.
ويتوقع قسم التداول في بنك «جيه بي مورجان» أن يؤدي هذا السيناريو إلى تراجع مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة تتراوح بين 1% و2%.
وتتضاعف حساسية هذا الاحتمال في ظل بقاء التضخم فوق المستهدف البالغ 2% واستمرار قفزات أسعار الطاقة. وهما عاملان يُبقيان خيار التشديد المتواصل قائمًا لدى المستثمرين.
السوق تترقب ما بعد القرار
توضح السيناريوهات الخمسة المذكورة أن تأثير قرار الفائدة الأمريكية المرتقب على أداء الأسهم لن يتوقف عند حدود الرفع أو التثبيت. بل يتحدد بدرجة كبيرة بناءً على مضمون الرسالة الإعلامية والتوجيهات المصاحبة للقرار.
وتحريك الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس قد يقود إلى نتائج متباينة تمامًا وفقًا لما إذا كان كيفن وارش سيكتفي بإشارات محدودة. أو يلمح إلى زيادات إضافية، أو يعيد تشكيل مسار السياسة النقدية للفترة المقبلة.
وفي هذا الإطار، تأتي هذه التطورات في وقت تدخل فيه الأسواق المالية مسار القرار وسط بيئة حذرة وشديدة الحساسية تجاه قفزات عوائد السندات وأسعار الطاقة والتضخم المتصاعد. حيث أغلقت الأسهم الأمريكية على تراجع في الجلسة السابقة.
وهذا بالتزامن مع استقرار عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوق مستوى 5%. وهو ما يضاعف من حالة الترقب قبل صدور الإعلان الرسمي.
وينصب تركيز المستثمرين والمتداولين على تفاصيل البيان المؤتمر الصحفي للبنك المركزي بقدر اهتمامهم بالنسبة المئوية المحددة للقرار.
وتحدد تلك التوجيهات ما إذا كانت خطوة رفع الفائدة مجرد إجراء استثنائي منفرد أم تدشينًا لمرحلة جديدة أكثر تشددًا. بما يحمل تداعيات مباشرة على اتجاهات السندات والأسهم وسعر صرف الدولار خلال المرحلة القادمة.


